وهذا من أوتي النبي - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم وهذا منها فقد جمع بين هذه الأصول الثلاث التي تحصل بها سعادة الدنيا والآخرة للمتمسكين بها، ومن ذلك الأحاديث الدالة على هذا الأمر حديث تميم الداري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الدين النصيحة» . قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» . نصيحة للأئمة المسلمين، يعني: تكون النصيحة لله ولرسوله ولكتابه وكذلك تكون لولاة المسلمين على الوجه الذي ذكرناه سابقًا، وعن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين» . رواه أحمد، وهذا كالحديث الذي معنا، ومعنى «لا يغل» . يعني: لا يخون، أي: إن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر، وفي حديث العرباض بن سارية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد» ... . الحديث رواه أبو داوود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح الحديث: فهاتان الكلمتان «أوصيكم بتقوى الله» . هذه كلمة، «والسمع والطاعة لولاة الأمر» . هذه الكلمة، فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة، ثم قال: وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال علي رضي الله تعالى عنه: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر. يعني: لا بد من جمعهم على إمام، ولو تفرقوا حينئذٍ لركب كل واحد منهم رأسه ولفعل ما فعل لقتل وسلب ونحو ذلك، وهذا لا يصلح الناس البتة، إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله.
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: والله ما يستقيم الدين إلا بهم والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون.
لأنك إذا خالفت وخرجت لكونه قد وقع في منكر أو معصية، وهذه مفسدة لكن ما يترتب على الخروج مفاسد أعظم وأعظم وَأعظم من تلك المفسدة، ولذلك جاء حكم الشرع بقطع الباب وسده البتة، وجاء في خطبة الوداع قوله - صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس اتقوا الله وإن أُمِّرَ عليكم عبد حبشي مُجَدَّعْ فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله» . رواه أحمد، والترمذي، وخرجه مسلم منه ذكر السمع والطاعة، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن خليلي - صلى الله عليه وسلم - أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبدًا حبشيًّا مُجَدَّع الأطراف. رواه مسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة السلام: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه» .
هذا فيه توجيه وتعليم إذا وقع ولي الأمر في منكر ولم يخرج به عن الإسلام، فما يقع فيه الولاة أمران:
إما أن يكون مُخْلِدًا له من الدين، وهذا يشترط فيه أن يقام عليه من الله تعالى برهان، يعني: يكون الكفر واضحًا بيِّنًا لا يختلف فيه اثنان.