فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 397

وفي حديث عوف بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم» . يعني: يحصل المودة بين الطرفين بين الرعية وبين الولاة، هؤلاء أعلى المنازل، ولا شك أن الولاة يتفاوتون ليسوا على درجة واحدة منهم التقي الصالح ومنهم من دون ذلك، ثم يتباينون في الفسق والفجور، ومع ذلك هم ولاة للمسلمين وإن فسقوا وإن جاروا ومهما بلغ منهم الفسوق والجور، هنا قال: «خيار أئمتكم» . يعني: أفضلهم، «درجة الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» . انظر واقع فيه عدم المحبة بل وصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرار الأئمة، فقلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ ما دام أنهم شرار الأئمة، ونلعنهم ويلعنونا حينئذٍ أفلا ننابذهم؟ يعني: ننازعهم بالسيف عند ذلك. قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة» . «لا» إذًا لا تحصل المنازعة بالسيف وإن كانوا من شرار الأئمة، وهذا توجيه يعتبر مخصصًا للأحاديث الواردة في إنكار المنكر وهي على جهة العموم، كل نص جاء في ولاة الأمور من جهة بيان ما يعامل به ولي الأمر وإن فسق وإن جار يعتبر مخصصًا للآيات والأحاديث العامة لأنها عامة وهذا خاص، قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره» . انتبه هناك قال: «فليصبر عليه» . وهنا قال: «فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزع يدًا من طاعة» . ومحل الكره إنما يكون في القلب، وأما الإنكار باللسان أو باليد فهذا من شأن الخوارج الذين سيماهم الخروج على الولاة، إذًا هذه المسألة أراد المصنف رحمه الله تعالى أن يقرن بين طائفتين: أهل الجاهلية، وأهل الإسلام. أن الجاهلية لا يأتمرون بأمر إمام البتة، فقد جاء الإسلام بجمع الأمة على إمام واحد، ثم عظم وشدد في الخروج عليه ولو كان فاجرًا ولو كان فاسقًا، ولذلك قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ذكر الحديث السابق: (ولم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو ببعضها) . أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، لم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث كلها مجتمعة، أو الإخلال ببعضها كالتفريط في الأول، أو التفريط في الثاني، أو التفريط في الثالث وهذا الحديث يبين لك المنهاج الصحيح الذي ينبغي النظر فيه إلى الأمة الإسلامية، واليوم أنت تسمع وترى من يدندن حول الأمة وما هي فيه من مصائب ونحو ذلك وكأنه ما درى أن ضياع الأمة لدينها هو السبب في تسلط الأعداء عليها، لو نظرت في شأن التوحيد الذي هو آكد الأمور التي أمر بها الشارع لوجدت الناس فيه مفرقين، بل وجدت كثيرًا ممن هم أشركوا بالله تعالى أقاموا على القبور ورجعوا إلى دين الوثنية ومع ذلك يريدون إصلاح الأمة ورجعها إلى سابقها دون أن يعرفوا ما هو الداء، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت