(الرابعة: أن دينهم مبني على أصول أعظمها التقليد) ، (الرابعة) يعني: من المسائل التي هي من أوصاف الجاهلية وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم فيها، (أن دينهم) الذي هو الكفر والشرك هذا دينهم هذا الذي بينه في المسألة الأولى، (مبني) والبناء وضع شيء على شيء على جهة الثبوت هذا الأصل، إذًا له أصول عندهم، (مبني على أصول) ، وهذه الأصول مراعاة عندهم من حيث التعبد، (مبني على أصول) أصول جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، والمراد هنا بالأصول أنها محدثة، يعني: هي من تلقاء أنفسهم وليست أصولًا مُسْتَمَدَة من شريعة سابقة، يعني: منزلة من رب العالمين، وإنما هي أصول محدثة، يعني: من تلقاء أو أفكار أو أهواء البشر، (أعظمها) أن دينهم مبني على أصول محدثة لا على ما جاءت به الرسل، (أعظمها) أعظم هذه الأصول (التقليد) ، والتقليد تفعيل من قَلَّدَ الشَّيْءُ، وهو في اللغة المحاكاة، قلده يعني: حاكاه وماثله وشابهه، يقال: قَلَّدَهُ الْقِلادة جعلها في عنقه، هذا الأصل فيه مأخوذ من القلادة، ويقال عند الأصوليين وهو مراد كذلك عند أهل الجاهلية: إتباع من لم يقم بإتباعه حجة. يعني: أن يكون المتبوع ممن لم يأذن الله تعالى بتقليده وإتباعه، هذا الذي يسمى تقليدًا إتباع من لم يقم بإتباعه حجة، أو إن شئت قل: قبول قول الغير بلا دليل وحجة. هذا يسمى تقليدًا، إذًا أعظم الأصول التي بنى المشركون والكفار دينهم عليها هي التقليد، (فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم) ، إذًا عموم الكفار والمشركين في كل زمان وفي كل مكان إنما أقاموا دينهم وشركهم على التقليد، (كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] ) . هذه حجتهم، ليس لهم حجة إلا أنهم وجدوا آباءهم على ملة وعلى دين فاتبعوهم، وهذا هو عين التقليد، هل هؤلاء الآباء والأجداد والأسلاف الماضون هل هؤلاء ممن أذن الله تعالى بإتباعهم دون نظر فيما فعلوه؟ الجواب: لا، إذًا صار تقليدًا، هذه الآية سبقها قوله تعالى: {أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 21 - 23] ، فأنكر الله تعالى على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة، فقال: {أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ} .