يعني: من الكتاب، ( {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} ) ، هذا هو التقليد الأعمى، ( {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان: 21] ) ، ( {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} ) أي للمجادلين في توحيد الله، ( {اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ} ) على رسوله من الشرائع المطهرة، ( {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} ) [وجدنا] أي لم يكن لهم حجة إلا إتباع الآباء والأقدمين، وهذه حجة كل كافر مشرك منذ أن وجد إلى يومنا هذا، ومما حكاه الله تعالى عن الأمم مع التقليد كما قال في شأن قوم نوح أنهم قالوا له: {مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} . وقال هود أو قوم هود لهود عليه السلام: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ... [الأعراف: 70] هؤلاء احتجوا بالآباء، وكذلك قوم صالح قالوا لصالح: {أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [هود: 62] . إذًا الحجة هي الحجة، وقالوا للخليل عليه السلام: {وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 53] ، وقالوا كذلك {وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 74] ، وقيل لموسى عليه السلام: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [يونس: 78] . وقيل له كذلك: {وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [القصص: 36] . وأخبر تعالى عن اليهود والنصارى أنهم قلدوا من قبلهم فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] . وهذا شأن [من كان في] [1] من هم قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك العرب، فالكفر ملة واحدة والحجة واحدة كذلك، وإنما هو ميراث يتوارثونه بعضهم عن بعض، قال تعالى عنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا} [المائدة: 104] . هؤلاء قالوا لما دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرسول يعني: محمد - صلى الله عليه وسلم -، {قَالُواْ حَسْبُنَا} ، يعني: كافينا، يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا لا نريد شيئًا زائدًا على ما وجدنا عليه آبائنا، وقصة امتناع أبي طالب من إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - معروفة، وقيل فيه: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قال: لا.
(1) سبق.