فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 397

ثم مات على ما هو عليه من التقليد، إذًا هذه حجة سالفة سابقة لجميع الكفار من أولهم إلى آخرهم ولو نظرت في القرآن وقد ذكرنا جملة من ذلك لوجدنا أن حجتهم {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} وهذا هو عين التقليد، إذًا دينهم مبناه على تقليد، وهذا التقليد إنما جاء من قِبَلِ أنفسهم لم يأمروا من جهة الشرع أن يتخذوا آباءهم وأجداهم أو أسلافهم من الماضين أن يتخذوهم قدوة ويتأسوا بهم في أمر دينهم، ولذلك قال: ( {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ} ) . يعني من الكتاب، ( {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} ) يعني: يدعو هؤلاء الآباء ( {إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} ) ، أفتتبعونهم إلى السعير؟ يعني: تقتدون بآبائكم وإن كانوا من أتباع الشيطان ومآلهم إلى السعير، هذه حجتهم، بماذا أتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فأتاهم بقوله) . يعني: فأتاهم بالأمر بالإتباع وترك التقليد المذموم، أمرهم بماذا؟ بالإتباع ونهاهم عن التقليد المذموم، فقال: ( {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} ) . هذا محل إشكال ( {تَتَفَكَّرُوا} ) المقلد لا يفكر، المقلد كالبهيمة توضع القلادة في عنقه ويُسحب سحبًا حول ما يريده المقلدون، ( {مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} ) ، ( {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ} ) ( {قُلْ} ) يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون، ( {إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ} ) ، أي: إنما آمركم بواحدة، وهي: ( {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} ) ، ( {مَثْنَى} ) ، يعني: اثنين اثنَيْن، ( {وَفُرَادَى} ) ، يعني: واحدًا وًاحدًا، ( {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} ) تتأملوا تتدبروا ( {مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} ) ، أي: تقوموا قيامًا خالصًا لله عز وجل من غير هَوَن ولا عصبية فيسأل بعضكم بعضًا، هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضًا ( {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} ) أن ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه ويتفكروا في ذلك، وعلاج التقليد هو التفكر والتفكير، ولذلك نص في الآية السابقة وهي محل الشاهد ( {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} ) هذا أمر بالتفكير فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتقليد ليس فيه تفكر ولا تفكير ولا تأمل، (وقوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ) يعني: على ألسنة رسله، ( {اتَّبِعُواْ} ) هذا أمر، والأمر يقتضيه الإيجاب، حينئذٍ يصير الإتباع لما أُنزل إلينا من ربنا هو الذي أوجبه الله تعالى علينا، ( {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ) أي: على ألسنة رسله، ( {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} ) هذا نهي عن إتباع غير الرسل، إنما يتبع ويطاع ويقتدى ويُتَأسى بالرسل، ومن عداهم فلا أسوة ولا اقتداء، ( {قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] ) .

قال القرطبي رحمه الله تعالى: دلت الآية على ترك إتباع الآراء مع وجود النص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت