فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 397

الخامسة الاعتماد على الكثرة والاحتجاج بالسواد الأعظم دون نظر في دليله، نعم الكثرة قد تكون على حق لكن بالنظر إلى مستندهم، وأما لكثرتهم لذاتها فهذا ليس بميزان لمعرفة الحق من الباطل، وليس مما أذن الله تعالى بالرجوع إليه فليست الكثرة دليلًا على الحق، وإنما ينظر في الكثرة هل معها دليل صحيح تستند إليه أم لا؟ فينظر في الدليل ولا ينظر في الكثرة، الاعتماد على الكثرة والاحتجاج بالسواد الأعظم (أن من أكبر قواعدهم) في معرفة الحق من الباطل، (الاغترار بالأكثر) ، فإن كان التابع كثيرًا فالحق معهم، والاغترار يقال: غَرَّ فلان غَفَلَ، وبكذا خدع به، يعني: خدعوا بالأكثرية، (ويحتجون به) يحتجون بالأكثرية، (على صحة الشيء) دون تفكر وتأمل، (ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله) ، هذان أمران، فما كان عليه الأقل فهو غير حق، وهذا هو الميزان عندهم في معرفة الحق من الباطل، (فأتاهم) ، يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم -، (بضد ذلك وأوضحه في غير موضع من القرآن) أتم إيضاح، ومما جاء في بيان ما عليه هؤلاء الجاهليون في الاستدلال بالأكثرية، قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا} . عرفنا المراد بالمترفين، {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 34، 35] ، إذًا استدلوا بكونهم على أموال كثيرة وأولاد كثيرة فالله راضٍ عنهم لكثرتهم في أموالهم وأولادهم، [ولا يرضى عن إلا عن] فما دام أعطاهم مالًا دل على أنه راضٍ عنهم، إذًا هم أكثر مالًا من أولئك الذين هم أتباع الأنبياء وليس معهم المال، وهؤلاء المشركون معهم المال، والله تعالى لا يعطي المال إلا من أحبه، إذًا هو راضٍ عنهم هذا الاستدلال أو القياس الفاسد، فالله راضٍ عنهم لكثرتهم، لكثرة أموالهم وأولادهم ولا يرضى إلا عن الحق فهم على حق ولازمه أن القلة تدل على عدم الرضا، فقليل الولد والمال هذا لم يرضَ الله تعالى عنه، وعدم الرضا دليل البطلان والفساد، وهذا فاسد وجاء في سورة الكهف في قول ذي الجنتين لصاحبه المؤمن: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34] . وقال قوم صالح له: {أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [القمر: 24] . هذا يدل على الغربة، إذًا جاء القرآن ببيان بطلان ذلك الاعتقاد الفاسد، بين أنه باطل وأن العبرة ليست بالأكثرية، وإنما العبرة بإتباع الحق وإصابة الحق ولو كان مع الأقلية ولو كان مع الغرباء، فالميزان ليس هو الكثرة والقلة، بل الميزان هو الحق وإصابة الحق، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] . إذًا الأكثرية معهم الضلال، وقال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] . وقال تعالى: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} . وقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ} [الصافات: 71] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت