وقال سبحانه: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] . وقال سبحانه: {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40] . وقال سبحانه: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] . وقال - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن عباس: «عرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد» . ... الحديث متفق عليه، وهذا واضح بين كالآيات السابقة أن الأكثرية معها الضلال ومعها الانحراف، وأن القليل هم الذين آمنوا واستجابوا، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء» . رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
قال الألوسي رحمه الله تعالى: فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن إتباعه - يعني: إذا كان الأكثر على عدم الحق لا يستوجب ذلك ترك الحق لأن الأكثر على خلافه، - فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن إتباعه لمن كان له بصيرة وقلب، فالحق أحق أن يتبع وإن قل أنصاره، وأخبر الله عن أهل الحق أنهم قليل غير أن القلة لا تضرهم، فمن له بصيرة ينظر إلى الدليل، ويأخذ ما يستنتجه البرهان، وإن قَلَّ العارفون به المنقادون له، ومن أخذ ما عليه الأكثر وما ألفته العامة من غير نظر الدليل فهو مخطئ سالك سبيل الجاهلية مقدوح عند أهل البصائر.
هذا كلام موزون على جهة الجادة طريقة السلف الصالح أن العبرة بإصابة الحق لا بالكثرة، ومن هنا تعرف ما عليه بعض الجماعات الآن في كونهم يسلكون مسلك التكفير والاجتماع وإن كانوا على بدعة وضلالة ويرون أن من كان أكثر إتباعًا أو أتباعًا دل على أنه صائب، وأولئك الأقوام الذي لا يتبعهم إلا القلة دليل على أنهم ليسوا على حق، ولذلك قال هنا: (ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله) . الاستدلال على بطلان الشيء بغربته، يعني: أن يكون غريبًا كما جاء في النص السابق {أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} ، يعني: القلة الغربة تدل على شيء واحد، وفيه معنى القلة والنصوص السابقة تشمله. والله أعلم.
(السادسة) وهي داخلة في المسألة الرابعة، وهي: التقليد، (الاحتجاج بالمتقدمين) يعني: لما كان عليه أهل القرون السالفة من غير تحكيم العقل، واللفظ بالدليل الصحيح، وهذه كذلك داخلة في مفهوم التقليد، فمن احتج بالآباء والأجداد فهو مقلد، ومن احتج بالأقدمين فهو مقلد والحكم واحد، (الاحتجاج بالمتقدمين) ، يعني: بما كان عليه أهل القرون السالفة من غير تحكيم العقل والأخذ بالدليل الصحيح، كقوله تعالى حكاية عن فرعون أنه قال: ( {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51] ) . هكذا أورد على موسى عليه السلام.