ولذلك قسم الله عز وجل الطوائف باعتبار العلم والعمل إلى ثلاث كما نقرأه في سورة الفاتحة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7] ، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} يعني: الإسلام، أو القرآن، أو طريق محمد - صلى الله عليه وسلم -، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وهم الذين جمعوا بين العلم والعمل، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وهم اليهود وهم ممن أوتوا علمًا ولم يُأْتَوْا عملًا حينئذٍ هم يعلمون لكنهم لا يعملون بما يعلمون، حينئذٍ من كان كذلك من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا علم ولو مسألة واحدة لا يشترط فيه أن يكون كامل العلم من علم من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - مسألة واحدة حكمًا شرعيًّا واحدًا ولم يعمل به حينئذٍ فيه شبه من اليهود، {وَلَا الضَّالِّينَ} الضالون هم النصارى، وهم ممن يعملون لكن بلا علم، وكل من عمل من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولو عملًا واحدًا دون أن يكون ثَمَّ نصيب للدليل لإثبات هذا العمل، يعني: بمزاجه عمل، بهواه، برأيه، بمتابعة شيخه عصبية ونحو ذلك، حينئذٍ نقول: قد عمل بلا علم، ففيه شبه من النصارى، ولا نجاة من الطائفتين وطريق الطائفتين إلا بالجمع بين المسألتين العلم والعمل، فمن أوتي علمًا لا يكفي وحده بالثناء عليه والمدح له، وإنما لا بد أن ننظر في عمله هل طابق عمله علمه؟ حينئذٍ إن كان نعم استحق التزكية واستحق أن يوصف بكونه ممن أنعم الله عز وجل عليه في الدنيا والآخرة، وإن فرط في أحدهما بأن أقام عمله لا على علم حينئذٍ نقول: هذا فيه شبه من النصارى، أو هو على حال النصارى، وإن علم ولم يعمل فهو على حال اليهود، فلا بد أن يجمع بين العلم والعمل، ولذلك لما كانت قريش تستفتي أحبار اليهود، يعني: هذا ممن وثق قريش وهم أهل جاهلية قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده كذلك وثقوا في أهل الكتاب ظنوا أنهم على علم، وهو الأصل فيهم كذلك أن يكون العلم فيهم مثمرًا للعمل، لكنهم أبوا ذلك وكفروا بالله العظيم، فكانت قريش تستفتي هؤلاء المفتين وهم أحبار اليهود أنحن أهدى أم محمد؟ أيُّ الطائفتين خير مقامًا؟ نحن أم محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالوا: بل أنتم أهدى سبيلًا منه، يعني: أفتاهم بماذا؟ بفتوى قاصمة الظهر، وهي: أن قريش على دينها وشركها بالله تعالى أهدى سبيلًا وأقوم طريقًا من محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله تعالى قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ} .