هنا أثبت الله عز وجل لهم العلم، لكن إثبات العلم لا يقتضي المدح ولا يقتضي التزكية حتى ننظر في ثمرة العلم، انتبه لهذا حينئذٍ ليس كل من أثني عليه بعلم أو قوة حفظ أو فهم حينئذٍ لو زكيت شخصًا بهذا ففيك شبه من أهل الجاهلية، وإنما لا بد أن يثمر العلم العمل، وأما الفهم استقلالًا، والذكاء استقلالًا، والحفظ استقلالًا، وكونه مكتسبًا للعلم بل محصلًا للعلم استقلالًا دون النظر في النتيجة نقول: هذا لا يحكم عليه بتزكية ولا مدح إلا على طريقة الجاهلية، ويقال هنا ما قيل فيما سبق أن الميزان في معرفة الحق من الباطل هو رسل الله، يعني: ما أنزله الله عز وجل من الوحي، وليس عندنا طريق لمعرفة ما أراده الله عز وجل من العباد إلا بطريق الرسل، فحينئذٍ العبادة التي أمر الله تعالى بها الخلق، بل خلق الجن والإنس من أجل تحقيق هذه العبادة لم يردها الله عز وجل إلى أهواء الناس ولا إلى عقولهم، وإنما ردها إليه فقال جل وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . بالمفهوم العام للعبادة وهي شاملة للتوحيد، إذًا خلقهم لأجل العبادة، وأمرهم بالعبادة، {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] وهل تَرَك مفهوم العبادة إلى أذهان العباد بأن ينظر فيما يريده الله عز وجل من قبل أنفسهم أم وكله إلى رسله؟ لا شك أنه الثاني فخلقهم للعبادة وأمرهم بالعبادة وبيَّن لهم ما أراده وما أحبه سواء كان على جهة الإيجاب أو على جهة الاستحباب، وما كرهه منهم سواء كان على جهة التحريم أو على جهة الكراهة، وما أباحه لهم تبعًا للبراءة الأصلية فحينئذٍ الأحكام الشرعية تكون مردها إلى الكتاب والسنة، فلا طريق إلى معرفة الحق الذي أراده الله عز وجل من العباد إلا عن طريق الرسل، حينئذٍ صار الميزان الذي جاء به الأنبياء إنما هو الكتاب والسنة التي عليها خاتم الأنبياء والمرسلين، فحينئذٍ الميزان في معرفة الحق من الباطل هو رسل الله، فما جاؤوا به فهو الحق، وما لم يأتُوا به فحينئذٍ قلنا الأصل عدم الحق، وما عداه فهو باطل، ونحن مأمورون بإتباع رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ونهينا عن مخالفته، كما قال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] . هذا هو الميزان، ما جاء به الرسول هو الذي أمرنا باتخاذه أو بامتثاله، وما نهينا عنه من جهة الرسول حينئذٍ وجب الترك والبعد، ولذلك قال: {فَانْتَهُوا} .