وهذه لازمة للمسألة السابقة، وهنا الاستدلال بحال التابع، من هم أتباع الأنبياء؟ في المسألة السابقة الاستدلال بالقوة على أن أصحابها على الحق، إن وجدت القوة في المفاهيم الخمسة السابقة فأصحابها على حق، عكسه إن وجد الضعف في المسائل الخمسة السابقة فأصحابهم على ضعف، الأول على حق والثاني على ضعف، في المسألة السابقة الاستدلال بالقوة على أن أصحابها على الحق، وهنا يستدلون بالضعف على أن الضعفاء ليسوا على حق، بل على باطل، لماذا؟ لأن الأشراف وكَمَلَةُ المال والجاه لما تركوا هذا الأمر دل على أنهم هم العقلاء، فلو كان خيرًا لسبقوهم إليه، لكن كان العكس فدل على أن الضعفاء إنما اتبعوا الدين الباطل وأن هؤلاء الأشراف إنما اتبعوا الدين الحق، وهنا يستدلون بالضعف على أن الضعفاء ليسوا على حق، فالتابع الضعيف المراد بالتابع الضعيف كـ: العبيد، والموالي، والرجال الضعفاء كبار السن، والنساء، والصبيان، والفقراء. هذا المراد بالضعفاء، فالتابع الضعيف من العبيد، والموالي، والفقراء، والصبيان، والشيوخ ونحوهم يدل على أن المتبوع ضعيف، وأن الدين الذي عليه فاسد بخلاف التابع القوي، فإن كان من ذوي الشرف والمكانة والرفعة والسيادة والجاه والمال فهو على حق ودين صحيح، وهذا من فساد عقولهم، فالقوة والضعف إنما هي من عند الله تعالى بيد الله تعالى هو الذي يجعل هذا ضعيفًا وهو الذي يجعل هذا قويًّا، هو الذي يعطي هذا المال ويسلبه المال، وهو الذي يعطي الملك ويسلب الملك، وهو الذي يعطي الجاه ويسلب الجاه، فهذه كلها الموازين إنما مرجعها إلى الله تعالى، والله عز وجل لا يميز بين الخلق في الأموال والأجساد والأولاد، هذه لا تدل على إصابة الحق، بل يعطي من هو كافر كما سيأتي، فالقوة والضعف بيد الله تعالى، فالضعيف قد يكون على الدين الحق الصحيح وهو ضعيف وهو كذلك، والقوي قد يكون على الباطل وهو قوي كما بينا في المسألة السابقة، فليس الضعف علامة البطلان البتة، ومن هنا احتج أهل الجاهلية لما رأوا أن أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام ليسوا من الأقوياء، بل من الضعفاء استدلوا بذلك على بطلان دعوتهم، إذًا من أصول أهل الجاهلية الاستدلال بكون الأتباع ضعفاء لا أقوياء على أن دعوة الرسل باطلة، فردوا ما جاءت به الرسل لأنه لم يتبعهم إلا الضعفاء، واستدل المصنف رحمه الله تعالى على هذه المسألة بقوله تعالى حكاية عن قوم نوح: ( {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} ) .