وكلاهما مُفَسِّخٌ وشهادة الله تعالى عليهم بذلك تستلزم النهي عن الاقتداء بهم كما سبق أن ذلك يتضمن النهي عن التشبه بهم كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى، واستدل المصنف أيضًا بقول الله تعالى: ( {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} ) . يعني: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} ، أي: لا تجاوزوا الحد في إتباع الحق، لأن الغلو هو مجاوزة الحد، وفي الشرع هو مجاوزة الحد المشروع، لا تجاوز الحد في إتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغ فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، لا شك أنهم مأمورون بتعظيم عيسى عليه السلام، لكن هذا له حد، عيسى بشر حينئذٍ إثبات الرسالة له لا يستلزم رفعه عن مقامه إلى مقام الربوبية والألوهية، فإن رفعوه حينئذٍ جاوزوا به الحد المأذون به شرعًا وهم مأمورون بماذا؟ بتعظيمه وإجلاله وتقديره وكل الرسل إنما يعظمون العظمة التي يستحقونها فهم بشر لكن لا يرفعون إلى مقام الربوبية والإلوهية، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغ فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء عليه السلام فجعلتموه إلهًا من دون الله وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا، {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] ، أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال، {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ} لأن الغلو الذي وقع في الدين بغير الحق إنما كان بمتابعة الشيوخ الذين أفتوهم بذلك، ولذلك قال: {وَلَا تَتَّبِعُوا} . هذا نهي عن إتباع أهواء قوم وهم علماؤهم وشيوخهم وأسلافهم، {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} ، يعني: في أنفسهم ففسقوا، {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} ، يعني: أضلوا غيرهم، لأن الضال من العلماء هذا فتنة على الناس لأن الناس ينظرون إليه بنظر الثقة وأنه محل للعلم والعمل، هذا نظر العامة القاصر، حينئذٍ يكون فتنة في نفسه ضل نفسه بإتباع غير الحق وإتباع الباطل والهوى وكذلك أثر في الناس فاقتدوا به وهو من الفسقه الذين لا يستحقون المتابعة والاختلاف، فوجه الاستدلال من الآية أن الله تعالى نهى أهل الكتاب عن إتباع أسلافهم الذين وصف حالهم بقوله: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} . أفاد الإخبار بفسقه لأنه ضل، والضلال هو الفسق هو بعينه، {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} ، أي: زيادة على ضلالهم أضلوا مع ذلك غيرهم فثبت أنهم فسقه، ومن اتصف بذلك فينهى عن الاقتداء بهم، والفسق معلوم أنه الخروج عن الطاعة، وثَمَّ آيات أخرى تدل على هذا المقصود وهو أن من أهل الجاهلية يقتدون بالفسقه كما في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} .