فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 397

أي: مما يستدل به أهل الجاهلية على بطلان الحق لكون أهله قليلي الفهم، يعني: ليس عندهم فهم أغبياء حشوية ونحو ذلك مما يذكر في نسبة أهل الحق بهذه الألفاظ والألقاب، ولذلك من عادة أهل الباطل أنهم لا بد وأن ينشئوا لقبًا من أجل أن يكون مفاده الذم للطائفة المنصورة ولأهل السنة والجماعة، ولذلك تجد كل الطوائف المخالفة الخارجة عن السنة أو الخارجة عن الملة إنما تصف أهل الحق أهل السنة والجماعة بألقاب، وما أكثر تلك الألقاب التي جعلوها للتمثيل عن مذهب أهل الحق، وهنا يستدلون على بطلان الحق بكون أهله قليلي الفهم لا حذق عندهم ولا ذكاء، بل ما يقابل ذلك من الجنون والطيش والسفه، وقد ذكر الله تعالى عن قوم نوح قولهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} . أي: ما نراك أتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة، يعني: أصحاب الخياطة وأشباههم، ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منَّا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تروٍّ منهم ولا فكر ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك، ولذلك قالوا: {بَادِيَ الرَّأْيِ} . يعني: أول الرأي بمجرد الدعوة قبلوا دون تروي ودون تفكر ودون تدبر، وهذا طعن في فهمهم وعقولهم بأنهم لا يفقهون وبأنهم لا يدرون ما دعوا إليه، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك، {بَادِيَ الرَّأْيِ} أي في أول {بَادِيَ الرَّأْيِ} أي من أول مرة، ولذلك قال هناك في المفردات: {بَادِيَ الرَّأْيِ} أي ما يبدأ من الرأي، وهو الرأي الفطير، وقرأ (بادِيَ) بدون همزة، أي: الذي يظهر من الرأي، ولم يُروَّى فيه، والدليل على أنهم استدلوا بذلك على البطلان قولهم في آخر معارضتهم: {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} ، {بَادِيَ الرَّأْيِ} إذًا ليس عندكم تروي ولا فكر، ثم قالوا: {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} . فدل على أنهم يتهمونه في رأيهم، وحكى الله تعالى عن قوم عاد أنهم قالوا لنبيهم هود عليه السلام لما أمراهم بعبادة الله وحده ونبذ ما يعبد من دون الله وما سار عليه الآباء والأجداد: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66] . والسفه في الأصل هو: خفة العقل، السفه استعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنيوية والأخروية، وقالوا: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] . أي: أصابتك في عقلك بخبل وجنون، فاتهموا هودًا عليه السلام، وفرعون يقول: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27] . إذًا لا بد من وصفه بهذا الوصف من أجل التنفير، وقريش قالت: {أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36] ، والمنافقون قالوا: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 31] . وأبطل الشرع حجتهم، وأثبت أن من لم يتبع الحق وما جاءت به الرسل هو أحق بهذه الأوصاف بالجنون والسفه والخبل ونحو ذلك كما قال تعالى أنهم قالوا ذلك في الآخرة: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت