فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 397

لا شك أن القياس أمر فطري، القياس مركوز في الفطر السليمة، وحينئذٍ يستعمله الإنسان في نفسه وفي معاش وفي ما يأتيه ويذر وأهل الجاهلية لهم نصيب مع القياس، يعني: لهم نصيب في استعمال القياس، لكن لما كان القياس منه صحيح ومنه فاسد، وقد يصيب الناظر في ترتيب المقدمات وقد يخطئ حينئذٍ إذا أخطأ فيكون مستدلًا بالقياس الفاسد، وإن أصاب حينئذٍ يكون مستدلًا بالقياس الصحيح، فبين المصنف في هذه المسألة مسألتين حال أهل الشرك أهل الجاهلية مع القياس أنهم لا يفرقون بين القياس الصحيح والقياس الفاسد، فأخذوا بالثاني الذي هو القياس الفاسد ظانِّين صحته، وأنكروا الأول ظانِّين فساده وبطلانه، وهذا يقع حتى عند أرباب العلم من الفقهاء وغيرهم قد يستعمل قياسٍ يظنه صحيحًا، فيثبت به حكمًا شرعي ظانًا صحته، وقد يرد قياسًا صحيحًا ظانًا أنه لم تتوفر فيه أركان القياس أو تخلف منه شرط من شروط صحة القياس، إذًا هم عكسوا القضية، فأخذوا بالقياس الفاسد وردوا القياس الصحيح، ولنا أمثلة حكاها الله عز وجل عنهم تدل على خفة عقولهم وعدم فهمهم وأنهم يفرقون بين المتماثلات ويساوون بين المختلفات، والقياس هو إلحاق فرع بأصل في حكم لجامع بينهما، هذا هو حقيقة القياس، تفصيله موجود في كتب الأصول، فإذا اختل ركن من هذه الأركان الأربعة إلحاق فرعٍ بأصل في حكم لجامع بينهما، أربعة أركان، إذا اختل ركن من أركانه أو فُقِدَ شرط من شروطه، لأن كل ركن له شروط، فهو قياس فاسد لا بد من اجتماع هذه الأركان الأربعة، ولا بد من تحقق شروط هذه الأركان، فإذا اجتمعت حينئذٍ القياس صحيح، إن تخلف ركن أو وجدت الأركان ولكن تخلف شرط صحة بعض الأركان فالقياس يعتبر فاسدًا، فلا يصح الاستدلال بالقياس الفاسد لكونه لم يستجمع أركانه وشروطه، ومن سيما الجاهلية وأهلها استدلالهم بهذا القياس الفاسد، ونص المصنف هنا على أن السبب عدم التفريق بين القياسين هو عدم فهم العلة، ولذلك قال: (والجامع لهذا وما قبله عدم فهم الجامع) يعني الذي ينبني عليه القياس الصحيح، (والفارق) الذي لا يصح معه القياس، لأن ثَمَّ جمع وثَمَّ افتراق، ثَمَّ جمع بين متماثلين، لا بد من وصف يدل على الجمع وهم لم يفهموه فأنكروا القياس الصحيح أو جمعوا بين مختلفين لعلة أو وصف يظنون أنه وصف جامع وليس الأمر كذلك، بل ثَمَّ فارق بين الأمرين، ونص المصنف على أن سبب عدم التفريق بين القياسين هو عدم فهم الجامع والفارق، أي: عدم فهمهم العلة فهمًا صحيحًا، إذ من أركان القياس الجامع كما مر في الحد بجامع بينهما، أي: لا بد من علة ووصف يجمع به بين الأصل والفرع في الحكم، فإذا انتفت العلة بطل القياس، واستدل المصنف على استدلال أهل الجاهلية بالقياس الفاسد بقوله تعالى أنهم قالوا: ( {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت