فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 397

{قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص: 76] قال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، قاس أصل خلقته النارية بأصل خلقة آدم الطينية، وفضل نفسه على آدم بسبب نتيجة هذا القياس، ويرى أن النار خير من التراب والعكس هو الصحيح، ثم على هذا أو ذاك لا نظر لعقل، الله عز وجل يخلق كما {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] خلقه من طين خلقه من نار ما أراده الله عز وجل هو الذي يصار إليه، ومن أقيست المشركين الفاسدة كما مر معنا مرارًا قياسهم الشفاعة عند الله تعالى على الشفاعة عند المخلوقين كما سبق معنا من ملوك الأرض قاسوا الله عز وجل ملك الملوك على ملوك الأرض، قالوا: ملوك الأرض ما تدخلها هكذا مباشرة لا بد من واسطة، أليس كذلك؟ إذا لك حاجة عند ملك ولم يكن بينك وبينه صلة حينئذٍ لا بد من أن يتوسط لك إليه، قالوا: الله عز وجل نحن مذنبون والله ملك الملوك، إذًا لا بد من واسطة وهم أولياؤه أحبابه الذين هم أقرب إليه منا، إذًا كما أنه بالحاشية يستدل أو يتوسط إلى الوصول إلى ملوك الأرض قالوا: كذلك ملك الملوك، وهذا قياس فاسد، وقياسهم صفات الله تعالى على صفات خلقه، والجهمية والمعتزلة إنما صاروا على هذا القياس، وكذلك في الأحكام كقياسهم الميتة حتف أنفها على المذكاة بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح، وهذا بسبب الآدميين، وهذا بفعل الله، وقياسهم البيع على الربا بجامع ما يشتركان فيه من المعاوضة المالية {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، وأنكروا القياس الصحيح كما نص عليه في المسألة الثالثة عشرة ومن ذلك إنكارهم قياس إعادتهم مرة أخرى على خلقهم الأول، كما قال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] . منهم من ينكر البعث، حينئذٍ ابتداء الخلق أشد من كونه يعيده مرة أخرى كان القياس يقتضي ماذا؟ الذي خلقهم أول مرة لم يكن على مثال سابق هو أقدر على إعادتهم، فالقدرة على إعادتهم أهون من القدرة على ابتداء الخلق، وهذا قياس واضح بين جلي لكن عقولهم فسدت {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} ، وقال تعالى: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] . ومن إنكار القياس الصحيح إنكار قياس قدرة الله تعالى على إعادة الإنسان بعد موته على قدرته على خلق السماوات والأرض، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33] . وكذلك إنكار قياس إعادة الأموات على إحياء الأرض الميتة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] . ومن جميل ما ذكره بعض الشراح أن الله تعالى جمع في آية واحدة بين الأمرين، يعني: الاحتجاج الاستدلال بالقياس الفاسد، وإنكار القياس الصحيح في آية واحدة. وهي قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت