فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 397

(الغلو) لغة تجاوز الحد، كذا في المفردات، والمراد به هنا مجاوزة الحد المشروع، فأهل الجاهلية تجاوزوا الحد المشروع الذي كان يجب أن يقفوا عنده في تعظيم العلماء والصالحين، لا شك أن الأنبياء معظمون، والرسل معظمون، والعلماء والصالحون لهم حق من العظمة ولهم حظ من الاحترام والإجلال والتقدير، لكن لا يُرفعون فوق قدرهم البتة، وإنما ينزلون منازلهم، فالنبي والرسول يبقى بشرًا ولا يرفع إلى مرتبة الربوبية والإلهية، وكذلك العلماء لا يرفعون إلى مرتبة الأنبياء في الاحتجاج بأقوالهم، وإنما يحتج لأقوالهم لا بأقوالهم، فإذا احتججت بأقوالهم رفعتهم وغلوت فيهم وأوصلتهم إلى درجة الأنبياء، لأنه لا حجة إلا في قوله الأنبياء والرسل سواء كان عن الله عز وجل أو كان من كلامهم، حينئذٍ إذا تجاوزت الحد في العالم وجعلت قوله حجة، يعني: لم تنظر في دليله، وإنما بمجرد قوله رفعته عن قدره، وهذا يعتبر من الغلو وهو من البدع التي أنكرها أهل العلم، إذًا تجاوزوا الحد المشروع الذي كان يجب أن يقفوا عنده بتعظيم العلماء والصالحين فرفعوهم عن قدرهم إلى أن جعلوهم أربابًا مع الله، وعبدوهم من دون الله، النصارى عبدوا عيسى عليه السلام من دون الله عز وجل، والرافضة عبدوا عليًّا من دون الله تعالى، حينئذٍ رفعوا أقدار الأنبياء والصالحين إلى مرتبة الإلوهية، كما غلت اليهود في عزير وقالوا: هو ابن الله. وغلت النصارى ورفعوا عيسى عن قدره من البشرية والرسالة إلى الإلوهية وقالوا: هو ابن الله. وقول المصنف هنا تخصيص بالعلماء والصالحين فيه تنبيه على أن مَن دونهم من باب أولى وأحرى، يعني: إذا كان الغلو في العلماء من صفات أهل الجاهلية، فالغلو في أهل الفسق والمجون من الممثلين والمطربين من باب أولى وأحرى، فكيف يكون إذا كان الغلو في العلماء وهم الأصل في الاقتداء والمراد هنا العلماء الصالحون، إذا كان الغلو في العالم الصالح الراسخ في العلم يعتبر غلوًّا مذمومًا رفعته عن قدره فكيف بأهل الفسق والمجون؟ فالتخصيص هنا بالصالحين والعلماء مراده التنبيه على من هو دونهم، لأن الافتتان بالعلماء والصالحين أعظم من الافتتان بغيرهم، استدل المصنف هنا على النهي عن الغلو في الصالحين والعلماء بقوله تعالى: ( {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ} ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت