( {لاَ تَغْلُواْ} ) لا ناهية، حينئذٍ يكون النهي هنا للتحريم، فالغلو محرم لما ذكر، ( {لاَ تَغْلُواْ} ) هنا أطلق الغلو، يعني: متعلق الغلو قد يكون نبيًّا، قد يكون عالمًا، قد يكون صالحًا، قد يكون دون ذلك، أطلق حينئذٍ يكون مفيدًا للعموم، ( {لاَ تَغْلُواْ} ) أطلق وصف الغلو من حيث هو حينئذٍ يكون عامًّا، فالعموم من جهتين الغلو وإن قل فضلًا عن أن يكون كثيرًا، حينئذٍ نهى عنه بقول: ( {لاَ تَغْلُواْ} ) لأنه نكرة في سياق النهي، حينئذٍ يعم متعلق الغلو تغلو بمن؟ أطلقه ما عينه، يعني: لا تغلو بالأنبياء، ولا بالرسل، ولا بالعلماء، ولا بالصالحين، ولا بمن دونهم من أهل زمانهم، إذًا اللفظ يشمل جميع أنواع الغلو سواء تعلق بالاعتقاد أو بالعمل، وسواء كان متعلق الغلو العلماء أو الصالحين أو غيرهم، وقال تعالى مبينًا ما قد يترتب على الغلو قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} ، كفروا، إذًا غلوا فأوقعهم الغلو في الكفر، وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ} ، يعني: يشابهون، {قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 30، 31] . وقوم نوح غلوا في الصالحين وصوروا صور وتماثيل ثم عبدوها من دون الله كما هو معلوم من محله فرفعوها إلى مرتبة الإلهية، {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الخصلة الجاهلية، فقال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» . فنهى عنه وبين أنه سبب هلاك الأمم السابقة وقال - صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني» . والإطراء هو الغلو في المدح «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» . إذًا الغلو في العلماء والصالحين في قوله: ( {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ} ) . يعتبر من سيما أهل الجاهلية، حينئذٍ يكون الغلو في المعاصرين كذلك، فالحكم هو هُو، كذلك الغلو في الأحزاب والجماعات ونحوها.
(الرابعة عشرة) والأخيرة (أن كل ما تقدم مبني على قاعدة وهي: النفي والإثبات، فيتبعون الهوى والظن ويُعرضون عما جاءت به الرسل) .