فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 397

وذكر هذه الثلاثة مجتمعة إذ هي وسائل العلم، العلم محله القلب في الأصل ومن وسائله: السمع، والبصر. كما قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ} جمع بين هذه الثلاث {كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} ... [الإسراء: 36] ، فالعلم محله القلب، ومن وسائله: السمع، والبصر. وهذه الثلاثة باعترافهم هم مطبوع عليها، فلا يسمعون سمع امتثال، ولا يبصرون بصر عظة وادكار، وكذلك قلوبهم لا تفهم، وحينئذٍ نقول: الثلاثة مطبوع عليها بتنصيص الرب جل وعلا، ومحجوبة على أن يصل إليها شيء مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك سبب الطبع والحجب هو كفرهم فهم السبب فيه كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} . {آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} ، إذًا استجابوا ثم بعد ذلك كفروا، وهذا الكفر بفعلهم واختيارهم ترتب عليه الفاء، الفاء هذه للتعليل، إذًا الطبع هنا لاختيار الكفر {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3] فالفاء سببية {ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، أي: بسبب كفرهم طبع على قلوبهم، فالطبع مسبب، والسبب هو الكفر وهو فعلهم واختيارُهم، {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} ، أي: لا يفهمون، والفاء كذلك سببية، فعدم الفهم بسبب الطبع المسبب عن كفرهم وإلا فأصل القلب أنه على الفطرة يقبل الحق بفطرته، لكن إذا حصل فيه شيء من الفساد حينئذٍ انحرف القلب فيأبى عن قبول الحق، والأصل في بني آدم هو قبول الحق كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» .. الحديث، إذًا هذه حجة عليلة غير مقبولة لأنها وإن كانت موجودةً بالفعل لا ننكرها إلا أنهم هم السبب في وجودها وهو الكفر الذي ترتب عليه الطبع وعدم الفهم، إذًا لم يفهموا لأنهم اختاروا الكفر، وإذا كان كذلك فلا يصلح أن يكون عذرًا لهم في ترك قبول الحق، (اعتذارهم عن إتباع ما آتاهم الله بعدم الفهم كقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، {يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ} [هود: 91] . فأكذبهم الله) يعني رد عليهم تلك الحجة السقيمة، (وبين) جل وعلا (أن ذلك) أي عدم الفهم، (بسبب الطبع على قلوبهم، وأن الطبع بسبب كفرهم) ، وهذه سنة الله تعالى أن كل من تكبر عن الحق ولم يقبله إذا بلغه فإنه يبتلى بفساد القلب عقوبة له، كل من لم يقبل الحق ابتلي بضده وهو الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت