(السادسة عشرة: اعتياضهم عما أتاهم من الله بكتب السحر، كما ذكر الله ذلك في قوله: {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ} ) ، إذًا هذا جواب لما، ( {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ) ، (اعتياضهم عما أتاهم من الله بكتب السحر) ، (اعتياضهم) العوض البدل والخلف، واعتاض منه أخذ العوض، وفلانًا سأله العوض، ويقال: استعاض عن كذا بكذا استبدله به، إذًا (اعتياضهم) ، يعني: الاستبدال لأنه من باب، أو مشتقٌ من العوض، والعوض هو البدل والخلف، فقول المصنف: (اعتياضهم) . أي: أهل الجاهلية، (عما أتاهم) أو عن إتباع ما (أتاهم من الله بكتب السحر) ، أي: استبدلوه به، والأصل أنهم يقبلون ما جاء به الرسل، أو ما جاءت به الرسل ولكنهم استبدلوا الذي هو خير بالذي هو أدنى وهو كتب السحر، فلما تركوا قبول الحق وهو ما أتاهم به الرسل من عند الله تعالى ابتلاهم الله تعالى بكتب السحر، وهذه قاعدة عامة سنة كونية من سنن الله عز وجل أن من ترك الحق سواء كان كليًّا أو جزئيًّا ولو في ترك سنة ابتلي بضد ما تركه، فمن ترك التوحيد ابتلي بضده وهو الشرك، من ترك الإيمان ابتلي بضده وهو الكفر، من ترك السنة كلًا أو جزءًا ابتلي بضده، ولو في مسألة جزئية علم فيها أن هذه سنة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ ابتلى بضده، وهذا واضح بين للمتأمل لنصوص والكتاب والسنة، واستدل المصنف بقوله تعالى: ( {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ} ) . ... الآية.
قال ابن كثير: {نَبَذَ فَرِيقٌ} ، أي: طرح، النبذ هو الطرح، {نَبَذَ فَرِيقٌ} ، أي: طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} ، أي: تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها، يعني: علموا أن ما بأيديهم من كتب نصت على أن ثَمَّ رسولًا سيأتي بأوصاف كذا وكذا واسمه أحمد علموا هذا العلم وتركوه، حينئذٍ تركوه عنادًا استكبارًا عن قبول الحق، فابتلاهم الله عز وجل بضده وأقبلوا على تعلم السحر وإتباعه، ولهذا أرادوا كيدًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسحروه. ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى، ( {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ) ، أي: على عهد سليمان.