إذًا كيف يكون هذا الانتساب؟ وهذا الانتساب لما تبين من جهة العمل أنهم لم يوافقوا الأنبياء هذا الانتساب غير نافع لهم لأنه انتساب باطل كاذب، وهذا الشأن فيمن سبق من الأمم وكذلك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إن ادعت الانتساب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فننظر في العمل والقول، فإن توافقا فهو انتساب صحيح وإلا فهو باطل، فالانتساب الحق هو موافقة ذلك بالعمل فيتوافقا كل منهما على حسب ما جاء به الأنبياء من توحيد الله تعالى ونبذ الشرك وما يؤول إليه، قال الله تعالى في الآية العظيمة: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31، 32] . {قُلْ إِن كُنتُمْ} يعني: ادعيتم أنكم تحبون الله محبة الله ولا شك أن المحبة في الأصل عمل قلبي، ماذا قال الله تعالى؟ {فَاتَّبِعُونِي} الإتباع هو عنوان المحبة هو دليل المحبة، إذًا المحبة والإتباع سيان فمن ادعى المحبة حينئذٍ لا بد أن يكون متبعًا، من ادعى المحبة ولم يتبع عدم الإتباع دليل على عدم المحبة أو نقصانها، الحصة بالحصة والكل بالكل، المطلق بالمطلق والحصة بالحصة، فإذا كان ترك الإتباع مطلقًا دل على نفي المحبة من القلب مطلقًا، وإذا كان ترك الإتباع جزئيًّا في بعضٍ دل على نقص في المحبة، إذًا {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ} ما الجواب؟ ما الدليل؟ ما العلامة؟ لا بد من إثبات ذلك، قال: {اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ} . إذًا الطاعة كذلك علامة المحبة، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] . فهذا هو الانتساب الحق الذي يصح أن ينتسب به أو إليه المؤمن، وقد بين الله تعالى حال أولئك الذين ينتسبون دون امتثال وطاعة فقال جل وعلا: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47] . إذًا يقولون بألسنتهم: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} . ثم ما النتيجة؟ {يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم} يعني يترك، {يَتَوَلَّى} يفر، {يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} يعني من بعد دعواه الإيمان بالله وبالرسول والطاعة، قال تعالى: {وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} . وهذه في شأن المنافقين الذي يدعون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وجاء في حديث الورود على الحوض وفيه: «ولا يصدن عني طائفة منكم فلا يصلون فأقول: يا رب هؤلاء أصحابي. فيجيبني ملك: وهل تدري ما أحدثوا بعدك» ؟ هذا يدل على أن ثَمَّ خلافًا قد يقع فحينئذٍ تكون هذه العقوبة لمن انتسب إلى نبينا - صلى الله عليه وسلم - ولم يمتثل، إذًا قوله رحمه الله تعالى: (تناقضهم في الانتساب، ينتسبون إلى إبراهيم مع إظهارهم ترك إتباعه) .