يعني: الأحوال الشيطانية، لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها كاستغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية. إذًا (اعتقادهم في مخاريق السحرة) التي هي الأحوال الشيطانية (وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء كما نسبوه لسليمان عليه السلام) ، نسبوه لسليمان في قوله ماذا؟ {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} ، يعني: ما جاءت به الشياطين مما جعل كتبًا وهي مرجع للكهان نسبوه إلى سليمان، وسليمان عليه السلام بريء مما نسبوه إليه.
(الحادية والعشرون: تعبدهم بالمُكَاءِ والتَصِديةِ) .
يعني: من أحوال أهل الجاهلية أنهم يتقربون إلى الله تعالى بالبدع، ولذلك قال: (تعبدهم) . إذًا يتقربون إلى الله تعالى، لأن التعبد هو التقرب فعل العبادة لله تعالى، بماذا؟ (بالمُكَاءِ والتَصِديةِ) هل هذا مما شرعه الله تعالى؟ لا شك أنه لم يشرعه جل وعلا، (تعبدهم) ، أي: تقربهم إلى الله تعالى (بالمُكَاءِ والتَصِديةِ) وهو الصفير والصفيق، قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] . يعني: كانوا يطوفون ويصفرون ويصفقون على أنه عبادة لله عز وجل، {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً} ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام وما كانوا يعاملونه به فقال: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ} . ... إلى آخر الآية.
قال عبد الله بن عمرو بن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة: هو الصفير. وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم. قال السُّدِّي: المكاء الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء، ويكون بأرض الحجاز. يعني: الصفير أرادوا به أن يشابهوا صفير بعض الطيور، وكذلك يكون بأرض الحجاز. وعن ابن عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق، والمكاء الصفير، والتصدية التصفيق خالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أولًا: هذا يعتبر من التقرب ما لم يأذن به الله تعالى يعتبر من البدع، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عليه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان: 6] . قال ابن مسعود: هو والله الغناء فحرم الله تعالى الغناء، وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وغيرهم فسروا اللهو الوارد في الآية بأنه الغناء، قال الحسن البصري: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير. وقال تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} [النجم: 59 - 61] .