يعني: التحزب ثم التعصب الحزبي، هذا المراد، يتحزبون على باطل ويجعلون لهم دينًا ثم لهذا الدين أصول قواعد من بدل أو حرف هجم عليه، وحينئذٍ لا يقبلون ممن كان خارج الحزب إلا إذا تفوه وتكلم بما هم عليه، (أنهم لا يقبلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم) فهم لا يقبلون الحق الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - إما عصبية لدينهم دين المشركين ما كان عليه الآباء والأجداد، هذا دينهم ما كان عليه الآباء والأجداد، وإما تعصبًا لقبيلة أو غير ذلك، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} . نحن أنزل علينا التوراة حينئذٍ لا حق إلا الذي في التوراة، أنزل علينا الإنجيل فلا حق إلا في الإنجيل، وما عداه ولو دل ذاك الكتابان على صدق من جاء بعدهما بالقرآن العظيم كذلك لا يقبلونه، وإنما اليهودي لا يقبل إلا من كان على اليهودية، والنصراني لا يقبل إلا من كان على النصرانية، حينئذٍ دينهم الباطل تحزبوا عليه مع علمهم بأن ثَمَّ من يبعث بعد ذلك، يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} . أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب، {آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، يعني: على محمد - صلى الله عليه وسلم - وصدقوه واتبعوه، {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} ، أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل كفى، يعني: يكفي الإيمان الذي تعلق بالتوراة والإنجيل وما عداه فهو مردود ولا نقر إلا بذلك، يعني: بما كان في التوراة وما كان في الإنجيل، {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} ، يعني: بما بعده، {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} ، إذًا دل هذا النص الذي ذكره المصنف أن أولئك الأقوام الجاهليين سواء كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم وأمثالهم أو من تشبه بهم إنما يجعلون لهم دينًا وهذا الدين له أصوله ويتحزبون له وعليه ثم لا يقبلون إلا ما كان من جهة دينهم، وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113] .