فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 397

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما نزل قوله تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] . قالت اليهود: يا محمد افْتَقَرَ رَبُّكَ فَسَأَلَ عِبَادَهُ الْقَرْض. فأنزل الله {لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} ، إذًا اليهود وسموا الله عز وجل بالحاجة والافتقار وأضافوا إلى أنفسهم الغنى، وأورد أيضًا عن ابن عباس يعني: ابن كثير أنه قال رضي الله تعالى عنهما: دخل أبو بكر الصديق بيت المدارس - أي: الذي يدرس فيه اليهود، يسمى بيت المدارس - فوجد ناسًا كثيرًا قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم ومعه حَبْرٌ يقال له أشيع فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه محاورًا إياه: ويحك يا فنحاص اتقِ الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول من عند الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل. هكذا أورد عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وهذا هو الحوار الذي يكون مع اليهود. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء ولو كان عنا غنيًا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيًا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر رضي الله عنه فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله. إلى أن قال: فنزلت الآية {لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ} ... الآية السابقة، والشاهد في الأثر أن هذا الحبر قد نسب الفقر والحاجة إلى الله تعالى ونزه نفسه عن ذلك، فدل على أنهم يعلمون أن تلك الصفات هي صفات نقص ومع ذلك يضيفونها وينسبونها إلى الله عز وجل، (كالولد والحاجة والتعب) أي: مما نسبه أهل الجاهلية إلى الله تعالى من صفات النقص صفة التعب كما صنع ذلك اليهود قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38] . أي: من إعياء ولا تعب، قال قتادة: قالت اليهود عليهم لعائن الله: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع. استراح بمعنى أنه تعب وهو يوم السبت وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} جل وعلا أي: من إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33] . وكما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57] . وقال تعالى: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} [النازعات: 27] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت