وشرعًا: قدر هو تعلق علم الله وإرادته أزلًا بالكائنات قبل وجودها فلا حادثة إلا وقد قدره الله تعالى أزلًا، أي: سبق به علمه جل وعلا وتعلقت به إرادته، هكذا عرفه بعضهم وهو تعريف جيد تَعَلُّق علم الله وإرادته أزلًا، يعني: قبل وجود وخلق الكائنات، تَعَلَّقَ به العلم وهو العلم السابق، ثم كتب ذلك، ثم أراده وشاءه ثم خلقه، ولذلك المراتب مراتب القدر أربعة، تعلق علم الله وإرادته أزلًا يعني: في السابق قبل وجود الكائنات، يعني: قبل خلق المخلوقات، أزلًا بالكائنات قبل وجودها فلا حادث إلا وقد قدره الله أزلًا، يعني: ما من موجود يوجد على هذه البسيطة إلا والله عز وجل علم به قبل وجوده وهو مقدر وشاءه جل وعلا ثم خلقه عز وجل، أي: سبق به علمه وتعلقت به إرادته، والإيمان بالقدر كما هو معلوم أحد أصول الإيمان الستة، فهو ركن من أركانه كما جاء في حديث جبرائيل أنه قال - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» . فالإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، فمن لم يؤمن به حينئذٍ لا إيمان له من أصله فينتفي الإيمان، فجعل الإيمان بالقدر سادس أصول الإيمان، فمن أنكره فليس بمؤمن بل ولا مسلم، يعني: لا يوصف بالإيمان ولا بالإسلام لأنه قد ينفى عنه الإيمان ولا ينفى عنه الإسلام، فليس بمؤمن هذا فيه إهانة أنه قد يكون مسلمًا وليس كذلك حينئذٍ نقول: من أنكره فليس بمؤمن بل ولا مسلم فلا يقبل عمله.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد ولبس جلباب الشرك، من لم يؤمن بالله ولم يعرفه وهذا في كل كتاب أنزله الله على رسله. انتهى، إذًا من لم يؤمن بالقدر وكان منتسبًا للإسلام وأنكر صفة العلم السابق والكتابة هذا قد انسلخ من التوحيد، يعني: هو مرتد عن الإسلام، ومراتب القدر أربعة:
الأولى: علمه السابق جل وعلا بما هم عاملون قبل إيجاده، قال تعالى: ... {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] . يعني: أزلًا وأبدًا، علم قبل وجود الشيء بأنه يكون على هذا الوصف فلم يتقدم علمه جهالة {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] ، إذًا علمه السابق هذه أول مراتب القدر الأربعة.
الثانية: كتابته لذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض، الكتابة التي هي في اللوح المحفوظ، فالله تعالى كتب مقادير الخلائق وما هو كائن إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ، فأعمال العبادة تجري على ما سبق في علمه وكتابته قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ} . الذي هو اللوح المحفوظ {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} [الحديد: 22] يعني: من قبل خلقها فهو علمها جل وعلا وكتبها، ثم قال: {مِن مُّصِيبَةٍ} . فهو نكرة في سياق النفي فيعم كل ما يكون مصيبة على العباد.
الثالثة: مشيئته النافدة المتناولة لكل موجود فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه فما شاءه جل وعلا كان، بمعنى أنه يوجد ولا بد قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] . لكنه لم يشأ جل وعلا.