فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 397

قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه، إذًا {كُلَّ شَيْءٍ} هذه كلية، و {شَيْءٍ} يصدق على كل مخلوق، والله عز وجل خالقهم، هنا يدل النص هذا كما سيأتي في سبب النزول لما بين وفسر صفة الخلق دل على أن المخاطب إنما ينازع في صفة الخلق، إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه فقضيناه، وفي هذا بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم القدر مع كفرهم به، ثم أسند إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله: إني أجد في كتاب الله قومًا يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر: 48] . لأنهم كانوا يكذبون بالقدر، إذًا {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} هذه نزلت في من جحد القدر، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} إني أجد في كتاب الله قوما يسحبون في النار على وجوهم يقال لهم: {مَسَّ سَقَرَ} . لأنهم كانوا يكذبون بالقدر، وإني لا أراهم - يعني: لم يَرَهُم في عهده - فلا أدري أشيء كان قبلنا أم شيء فيما بقي، يعني: فيما يأتي فيما بعد، وسيأتي أثر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون ابن عباس لم يعلم بذلك، ثم أسند ابن جرير إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن مشركي قريش خاصمت النبي - صلى الله عليه وسلم - في القدر، إذًا هو موجود ولم يقف عليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه وقت كلامه السابق، أن مشركي قريش خاصمت النبي - صلى الله عليه وسلم - في القدر فأنزل الله {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ، هكذا أورده الطبري، والحديث في صحيح مسلم، وفي تسفير القرطبي قال أبو ذر: قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا. الأعمال إلينا، يعني: نحن نخلقها ونحن نوجدهم وهذا مذهب المعتزلة، ما من فرقة من الفرقة المنتسبة إلى الإسلام إلا ولها جذور عند المشركين، إما من اليهود والنصارى أو مشركي العرب، الأعمال إلينا يعني: منسوبة إلينا، نحن الذين نفعله نحن الذين نوجدها ونخلقها، والآجال لأنه يأتي بغتة ويأتي بما لا يريد الإنسان ويشتهي قالوا: الآجال ليست بأيدينا. بل بيد غيرنا فنزلت هذه الآيات إلى قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} . انتهى من تفسير القرطبي رحمه الله تعالى.

قال ابن كثير: يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها - يعني: خلقها - وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت