أي: بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء، وهي حجة داحضة باطلة لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم، إذًا لماذا يعذبهم؟ إذا أراد الله عز وجل منهم الشرك وقد فعلوه حينئذٍ كانوا ممتثلين لإرادة الله عز وجل، إذًا لماذا خلق الجنة والنار؟ ولماذا يدخلهم النار؟ ولماذا يرسل إليهم الرسل؟ ولماذا يذيقهم بأسه؟ ولماذا ينتقم منهم؟ ما ذاك إلا لكونهم قد خالفوا أمر الله عز وجل، إذًا لا حجة لهم في ذلك البتة، لما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام وأذاق المشركين من أليم الانتقام {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ} ، أي: بأن الله تعالى راضٍ عنكم فيما أنتم فيه، {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} ، أي: فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه، {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} أي الوهم والخيال، والمراد بالظن هنا الاعتقاد الفاسد، {وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] ، أي: تكذبون على الله فيما ادعيتموه إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى، {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} أي له الحكمة التامة والحجة البالغة في هداية من هدى وإضلال من ضل، {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] فكل ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين ويبغض الكافرين، هذا ما أورده ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية، إذًا احتجوا بماذا؟ بالقدر، {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا} بمعنى أن وقوع الشرك والكفر والمعاصي دليل على أن الله تعالى قد رضي عنهم ذلك الفعل وهو استدلال باطل وقد خالفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجاء بهدي واضح بين عدل وخالفهم في هذا المذهب الفاسد فقد أمر بالعمل ونهى عن الاتكال على علم الله السابق، علم الله السابق بكون الشيء يقع نقول: هذا ليس موجبًا لأن يحتج به في مخالفة أمر الله عز وجل، لأنه ما الذي أدراك؟ هذا غيب، ما الذي أدراك بأن الله عز وجل علم منك وكتب أن يقع منك الشرك أو الكفر أو المعاصي ثم تأتي وتمتثل ما كان في علم الله السابق واللوح المحفوظ، ما الذي أو من الذي أطلعك على ذلك؟ حينئذٍ نقول: هذا ادعاء للغيب واتكال على العلم السابق، وقد أمر الله عز وجل بالعمل، بمعنى أن يُمتثل الشرع في فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأما العلم السابق فلا يحتج فيه أو به البتة في الدفاع عن المعاصي، نعم قد يحتج به على المصائب التي لا تكون تركًا للمأمورات أو فعلًا للمحظورات، فقد أمر بالعمل ونهى عن الاتكال على علم الله السابق وبين أنه ليس بعذر في حق أحد ترك المأمور وفعل المحظور، عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا جلوسًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه عود ينكث به في الأرض فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد» . أحد نكرة في سياق النفي وهو نص في العموم بزيادة من «إلا وقد كتب مقعده من النار، أو من الجنة» . لأنه مما يقع ومما سيكون لأن الجنة مخلوقة، أليس كذلك؟ والنار مخلوقة، إذًا علم الله عز وجل بعلمه السابق وكتب ذلك ثم شاءه وخلقه من الذي يدخل الجنة ومن الذي يدخل النار قبل خلق الخلق، «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة» .