(كقوله) الكاف هذه تمثيلية يعنى ( {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} ) [النحل: 83] . فهذا من خصال أهل الجاهلية نسبة وإضافة نِعَمِ الله تعالى إلى غير منعمها ومسديها وهو الله تعالى وحده، وإنما يَنْسِبُون ذلك لغيره تعالى من الآلهة التي يعبدونها من دون الله تعالى، أو لأنفسهم، ينسبون لأنفسهم، إما للآلهة أو لأنفسهم أو لآبائهم أو لغيرهم، كالزمان ونحوه. وقد استدل المصنف رحمه الله تعالى بذلك بآية النحل ( {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} ) سورة النحل تسمى سورة النعم، وقد عَدَّدَ الله تعالى نعمه على عباده في هذه السورة إلى أن قال جل وعلا: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} [النحل: 81] . الحر أي البرد، {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل: 81،83] فقوله جل وعلا: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ} .. إلى آخره استئناف لبيان أن تولى المشركين وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله أصلًا، يعنى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} من يُنْكِر نعمة الله قد يكون لعدم علمه بالنعمة، وقد يعلمها ثم ينكرها إذًا كون الرب جل وعلا أسند وبَيَّنَ أنهم {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ} حينئذٍ يكون إنكارهم وكفرهم بالنعمة عن علم، وليس عن جهل، ليس لعدم معرفتهم نعمة الله أصلًا فإنهم يعرفون أنها من الله تعالى {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} بأفعالهم، فالإنكار كما يكون بالمقال يكون بالحال، كما يُنْكَرُ الشيء بالقول كذلك ينكر بالفعل كما ترد على المخالف بقولك كذلك ترد عليه بفعلك، وقد يكون الثاني أبلغ من الأول، ثُمَّ يُنكرونها بأفعالهم حيث لم يفردوا منعمها بالعبادة، فكأنهم لم يعبدوه أصلًا، إذًا الإنكار هنا وقع بالفعل لماذا؟ لأنهم صرفوا العبادة لغير الله، فكل من صرف عبادة لغير الله تعالى فهو منكر لنعم الله تعالى عليه، سواء صرح بذلك أو لم يصرح، والفعل حينئذٍ يكون أدل على المقصود من القول حينئذٍ كونه يصرف هذه العبادة لغير الله، ويُشَرِّكُ ويسوي بين الخالق جل وعلا وبين غيره من المعبودات حينئذٍ نقول: هذا إنكار لنعمة الله تعالى على العبد، فكأنهم لم يعبدوه أصلًا لأن من عَبَدَ الله وعَبَدَ غيره لم يعْبُد الله تعالى لأن من صرف العبادة لغير الله تعالى على مرتبتين منهم من يعبد الأصنام والآلهة من دون الله تعالى ولا يعبد الله، يعنى: لا يتوجه بالعبادة لغير الله تعالى وهذا قليل في المشركين.