النوع الثاني: من يعبد الله تعالى ويعبد معه غيره، ولذلك لفظ الشرك كما قال بعض أئمة أهل نجد: لفظ الشرك يدل على أنهم قد عبدوا الله تعالى، لأن الشرك مأخوذ من التشريك، والتشريك أن يكون تسوية بين شيئين فدل ذلك اللفظ {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] إذًا من لفظ الشرك نأخذ أن من عبد غير الله تعالى قد توجه كذلك بعبادة إلى الله عز وجل، ولذلك عرف أئمة السنة الشرك بأنه دعوة غير الله تعالى معه، أو اتخاذ ندٍّ من دون الله تعالى مع الله تعالى. إذًا فكأنهم لم يعبدوه أصلًا وهذا واضح بَيِّن لأن من عبد الله وعبد غيره عبادته لله تعتبر باطلة لأنها مردودة عليه لعدم إخلاصه لله عز وجل وذلك كفران مُنَزَّلٌ مُنَزَّلَة الإنكار، قاله الألوسي رحمه الله تعالى في شرحه. إذًا هنا الإنكار لا يلزم أن يكون باللسان، فلا يظن الظانّ بأن قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ} وهم المشركون ثم ينكرونها بألسنتهم ليس هذا المقصود الأولي، وإنما المقصود أنهم بصرفهم العبادة لغير الله تعالى قد أنكروا نعمة الله، لأن من أقر بمفردات توحيد الربوبية ومنها الاعتراف بالنعم لمسديها ومنعمها، وهو الله عز وجل لزمه أن يُفْرِدَ الله تعالى بالعبادة ولذلك عندنا القاعدة العامة أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، إذًا ثَمَّ تلازم بين هذه الأنواع الثلاثة أنواع التوحيد، وأما دعوة الرسل أنها قائمة على توحيد الإلوهية لكون الخلاف بين الرسل وأمم الرسل قد وقع في هذا النوع فحسب، فإن كان ثَمَّ نوع من الشرك قد وقع في [شرك] توحيد الربوبية ثَمَّ الشرك في الربوبية ثَمَّ شرك في الأسماء والصفات لكن الخلاف الأكبر الجوهري إنما وقع في صرف العبادة لغير الله وتوحيد الإلوهية يعنى: طالب أقوامهم بإفراد الله تعالى بالعبادة. إذًا ذلك كفران الذي هو صرف العباد لغير الله تعالى هذا الكفران مُنَزَّلٌ مُنَزَّلَة الإنكار باللسان. قال مجاهد: إنكارهم إياها يعرفون نعمة الله تعالى ثم يُنكرونها، إنكارهم إياها قولهم ورثناها من آبائنا، هذا زيادة على ما سبق، ما سبق تقريره أن الإنكار إنما وقع بماذا؟ بالفعل، ولا يمنع أن يقع كذلك بالقول. قال مجاهد: إنكارهم إياها قولهم ورثناها من آبائنا. وقال عون بن عبد الله: إنكارهم إياها أن يقول الرجل لولا فلان ما كان كذا وكذا. هذا قد يكثر عند بعض الناس إسناد الأفعال أو النعم إلى أسبابها دون أن يأتي بلفظ ثُمَّ، لولا الله ثُمّ فلان، لولا فلان ما كان كذا وكذا، هذا من الألفاظ التي تكون شركا أصغر في الألفاظ ولولا فلان لم أصب كذا وكذا، وفي لفظ إنكارها إضافتها إلى الأسباب. وقال ابن قتيبة والفراء: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا. وهذا شرك أكبر والسابق شرك أصغر إذًا {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} على تفسير مجاهد وعبد الله بن عون.