إذًا من صفات وخصال أهل الجاهلية أنهم يعرفون أن هذه النِّعم سواء كانت باطنة أو ظاهرة قولية أو عملية دنيوية أو أخروية أو دينية أنها من عند الله عز وجل، ثُمَّ ينسبونها ويضيفونها إلى المخلوق أيًّا كان ذلك المخلوق حينئذٍ نقول: هذا من إسداء النسبة لغير مسديها ومنعمها، ثم قد يكون شركًا أكبر وقد يكون شركًا أصغر بحسب الحال، وخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يُضف النعم إلى غير الله تعالى بل خصها بخالقها وموجبها ومسديها وهو الله عز وجل وحده، بل أضافها إلى منعمها ومسديها قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ} [النحل: 53] من هذه بيانية فما بكم من نعمة الذي بكم من نعمة كل النعم قليلة كانت أو كثيرة دينية أو دنيوية حينئذٍ تكون من الله عز وجل وحده، وقال سبحانه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل: 18] . أي: هذه النعم، فكل نعمة تكون على العبد إنما هي من عند الله عز وجل، والأصل في العبد أن يُسند هذه النعم إلى خالقها ومسديها جل وعلا، وإفراده بذلك هو كمال التوحيد الذي أمر الله تعالى به المرسلين، ثُمَّ إذا أراد أن يشكر الناس وأن يُبين أن ذلك الشخص من الناس من المخلوقات له أثر في إسداء هذه النعمة حينئذٍ يأتي بلفظ ثُمَّ كما هو مبين في محله، لولا الله عز وجل هذا ابتداء ثم فلان لَمَا كان كذا وكذا أو لَمَا حصل كذا وكذا.
(الثامنة والأربعون: الكفر بآيات الله) . وفي معناها (المسألة التاسعة والأربعون: جحد بعضها) . الضمير يعود إلى آيات الله تعالى. قوله: الآيات في المسألتين يحتمل أمرين:
الأول: الآيات الشرعية.
الثاني: الآيات التي هي المعجزات. تُسَمَّى آيات الأنبياء، ماذا قال هنا؟ (الكفر بآيات الله) ، (جحد بعضها) هنا عَبَّر بالبعض دون الكل لأنه يكفي جحد بعض الآيات كفر، إذًا جحد كل الآيات من باب أولى وأحرى، فلذلك عبر بالبعض الصادق على الواحد فمن أنكر آية واحدة، بل حرفًا، بل كلمة، بل حرفًا من القرآن والآيات الشرعية فهو كافر، فكيف بمن أنكر القرآن كله فمن باب أولى وأحرى. إذًا الآيات هنا في الموضعين يحتمل أمرين الآيات الشرعية، الثاني الآيات التي هي معجزات وهي آيات الأنبياء، تسمى آية هي أولى، وكلاهما حاصل وواقع من أهل الجاهلية يعنى: الكفر بالآيات الشرعية حاصل من أهل الجاهلية ومن صفاتها، والكفر بالآيات الكونية أو المعجزات أو آيات الأنبياء كذلك حاصل من أهل الجاهلية.