فالأميون من أهل الجاهلية ينكرون أن يرسل الله رسولًا إلى البشر، بل يريدونه من الملائكة، والكتابيون أنكروا جحودًا وعنادًا وحسدًا لأنهم كانوا يقرون بإنزال بعض الكتب على بعض أنبيائهم كموسى وداود عليهما السلام. ومثل هذه الآية قوله تعالى عنه أنهم قالوا {وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون} ، وهذا كالآية السابقة: {وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ} [يس: 15] {شَيْءٍ} نكرة في سياق النفي ودخلت عليها {مِن} فهي نص في العموم وهي سالبة كلية نقيضها موجبة جزئية، وقد خالف هدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ما عليه أهل الجاهلية قد آمن بجميع ما أنزل الله من وحيه وكتبه على أنبيائه ورسله، وأمر بذلك بل وجعله ركنًا من أركان الإيمان بالله تعالى. إذًا هم أنكروا الوحي وأنكروا الكتب وأنكروا أن ينزل الله تعالى {عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} جاءت شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - مخالفة لهم من كل وجه وأوجبت بل جعلته ركنًا من أركان الإيمان، الإيمان بالله تعالى، وهذا يتضمن الإيمان بالرسل والملائكة والكتب وغير ذلك. قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285] . إذًا الشاهد في القول: {كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} إضافة هنا الضمير يعود إلى الله عز وجل كتب الله من أين جاءت من السماء فهي وحي. وقال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} [العنكبوت: 46] . الإنزال يقتضي ماذا؟ يقتضي الوحي. وقال تعالى: {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ} [الشورى: 15] ، وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الإيمان بكل ما أنزله الله تعالى وهذا الإيمان يكون إجماليًّا ويكون مفصلًا الإجمالي كأن تؤمن أو أن تؤمن بكل ما أنزله الله تعالى علمته أو لا، سواء بلغك خبره في الكتاب والسنة أو لم يبلغك خبره، والمفصل أنه يؤمن بالقرآن المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبالتوراة المنزلة على موسى عليه السلام والإنجيل والزبور .. إلى آخره يعني يعين - كل كتاب بلغه أن الله تعالى أنزله - حينئذٍ إذا أنكره يُعتبر مرتدًّا، وبين الله تعالى ما للمكذبين من عقاب وفيه تحذير من الوقوع فيه ما وقعوا فيه قال تعالى: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الملك: 6] ، إلى أن قال: {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} [الملك: 9] . إذًا هذا فيه تحذير لأنه إذا ذكره الله تعالى العقوبة وبين أحوال المنكرين للكتب حينئذٍ دلّ ذلك على أن من وقع في مثل ما وقعوا فيه حينئذٍ يحق عليه العذاب كما حق عليهم. إذًا: {مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} فيه وجوب الإيمان بما أنزله الله تعالى من كتب جملة وتفصيلًا.