(الحادية والخمسون: قولهم في القرآن: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25] ) يعنى: ما {هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} ، {إِنْ} هنا ما نوعها؟ نافية، والدليل {إِلَّا} إذا جاءت إلا بعد إن فهي نافية {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} بمنزلة قوله ما هذا إلا قول البشر، وفي بعض النسخ هذا قول بشر والظاهر أنها المراد بها الآية، وهذا مبني على المسألة السابقة لأنهم إذا [أنكروا أن ما] أنكروا كل شيء أنزله الله عز وجل فإذا ادَّعى على كلامهم ادَّعى مدَّعٍ بأنه أوحي إليه حينئذٍ نسبوه إلى نفسه. يعنى: هذه متفرعة عما سبق، أنكروا الرسالات وأنكروا الوحي كله فإذا كان كذلك حينئذٍ التوراة والإنجيل والقرآن هذه من عند محمد - صلى الله عليه وسلم - وموسى وعيسى. هذا مبني على المسألة السابقة فما داموا أنهم أنكروا الوحي كله فإنهم يزعمون أن هذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ليس من عند الله ولا من كلامه، إنما هو {قَوْلُ الْبَشَرِ} محمد - صلى الله عليه وسلم - أو من يعلِّمه، فالأميون حملهم على هذا القول استبعادهم أن ينزل الله على أحد من البشر شيئًا، وإنما استبعدوا ذلك لأنهم مثلهم يأكل ويشرب ويمشي بالأسواق ونحو ذلك، وأما الملائكة فهي من غير جنسهم والكتابيون يعلمون أنه كلام الله أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحيًّا وجحدوه عنادًا وحسدًا. قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: [146] . أهل الكتاب {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} يعنى: يعرفون محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، ويعرفون أن ما جاء به هو الحق {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} فكما أنهم لا يلتبس عليهم كما مر معنا لا يلتبس ابنه بغيره هل يختلط عليه؟ لا يختلط عليه كذلك لا يختلط عليه أن محمدًا رسولًا من عند الله تعالى وأن ما جاء به هو وحي من الله تعالى. وهذه الآية التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى: ( {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} ) هي التي في سورة المدثر في قوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر: 11] ، إلى قوله: ( {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} ) نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش، وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل الوليد بن المغيرة - ثَمَّ قصة - دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن قحافة الصحابي الصديق رضي الله عنه فسأله عن القرآن استفهم عن القرآن فلما أخبره يعنى: أبو بكر خرج على قريش فقال الوليد: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة فو الله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله تعالى يعنى: كآمن صدَّق بهذا لكنه أخذه ماذا؟ عزة النفس، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا لَمَّا سمعوا أن كلام الوليد قال: هذا كلام الله تعالى. نفروا وأرادوا أن يبعدوه عن الحق فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبوا قريش لئن أسلم لتسلم قريش. فلما سمع بذلك أبو جهل عمرو بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه.