فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 397

(الرابعة والخمسون: الإقرار بالحق ليتواصلوا به إلى دفعه كما قال في الآية) . السابقة قالوا: أقر بالحق ولفلان به اعترف به وأثبته، الإقرار بالحق يعني: الاعتراف به وإثباته، وهذه المسألة متعلقة بالمسألة السابقة، بل هي صورة من صور الحيل الخفية لدفع ما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام من باب ذكر الخاص بعد العام، إشارة إلى أن أهم وسائلهم لدفع الحق هو هذه الصورة، الإقرار بالحق يعني: الإسلام، يظهرون الإسلام ليتوصلوا به إلى دفعه كشأن المنافقين، ولذلك أعظم طائفة منيت بها الأمة المحمدية هم المنافقون، شَرٌّ من اليهود والنصارى لأن شرَّهم أعظم من غيرهم، إشارة إلى أن هذه الوسيلة أهم وسائلهم لدفع الحق وهو هذه الصورة، وهذه الصورة والوسيلة هي وسيلة أهل النفاق، وهي إظهار الإيمان أنهم آمنوا بالله ليس لهم قناعة به ولا رغبة فيه، يعني ليس حبًّا فيه وإنما ليتوصلوا به إلى الإضرار به ودفعه إلى إبطاله. إذ بعد دخولهم فيه يرجعون عنه ويتركونه قصدًا منهم لتشكيك الناس فيه وصدهم عنه، هذا كما هو واضح كالآية السابقة: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . حينئذٍ هذه مفسرة بما سبق فيما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى، فهم لم يؤمنوا بما أنزل الله ما آمنوا، ولا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حقيقة ولا يعدون أنهم مؤمنون، وإنما تلبيسًا بإظهار الإسلام والإيمان أول النهار وكأنهم قد خالط بشاشة قلوبهم واقتنعوا به ورغبوا فيه، ثم ينتكسون على أعقابهم ويكفرون آخر النهار كي يقول الناس هؤلاء أهل كتاب لم يخرجوا منه إلا عن معرفة وعلم بحقيقته بعد أن دخلوا فيه فيصدون عنه بهذه المكيدة. ولهذا قالوا: - كما مرّ - لعلهم يرجعون فالغاية والمقصد من الدخول فيه الصد عنه والتشكيك فيه. والمنافقون هذا حالهم في كل زمان ومكان يعني: في عهد نبوة - صلى الله عليه وسلم - وبعدها إلى زماننا هذا، قد نزل القرآن بفضحهم وبيان خططهم كما قال تعالى: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] . يعني: في دعواهم الشهادة، الله عز وجل يعلم أنه لرسوله {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [المنافقون: 2] . يعني: وقاية أرادوا أن يجعلوا الإيمان وقاية من قتلهم {فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} والآيات في ذلك كثيرة، ويكفي في بيان ما هم عليه من شرّ وبلاء وفتنة أنهم أعظم الكفار، المنافقون أعظم الكفار في الدنيا ضررًا بالمسلمين، وأعظم الكفار في الآخرة عذابًا يوم القيامة قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت