(الخامسة والخمسون: التعصب للمذهب) أي: الباطل، المراد بالعصبية هنا تعصب له بباطل، يعني: هم أهل جاهلية فما عندهم من مذهب ودين فهو باطل ولذلك أطلقه المصنف ولم يقيده، وإنما يقال ذلك فيم كان من شأن المسلمين يقال تعصب له وتعصب معه نصره، وعصب الشيء شدّه مأخوذ من الشدّ، ومنه العصابة ما يُشَدُّ به على الرأس من منديل ونحوه، والعصبية تحمس للرأي والمدافعة عنه، التحمس نقول: هذا يعتبر من التعصب.
(التعصب للمذهب الباطل، كقوله) فيها الآية السابقة: ( {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73] ) هذه المسألة جمع الألوسي رحمه الله تعالى بينها وبين المسألة السابقة الإقرار بالحق للتوصل لدفعه لأنها بمعنى واحد، شيخ الإسلام هنا في هذه المسائل قد يفصل المسائل بعضها عن بعض وهي متحدة، والظاهر أن التعصب للمذهب من أسباب دفع الحق يعني: هي سبب أو جمع بينهما فيكون قد جمع بين السبب والمسبب، فهم يقرون بالحق لدفعه لماذا؟ تعصبًا لدينهم فتعصبوا أولًا لدينهم ثم انبنى عليه دفع ما جاءت به الرسل، حينئذٍ يكون قد جمع بين السبب والمسبب، هذه المسألة تعتبر كالسبب للمسألة السابقة، والظاهر أن التعصب للمذهب من أسباب دفع الحق، فهو يدفع الحق الذي لا يعرفه لكونه مخالفًا لمذهبه، كقوله في الآية: ( {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ) قال الشوكاني رحمه الله تعالى في (( الفتح ) ): هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض. أي: قال ذلك الرؤساء للسفلة لا تصدق تصديقًا صحيحًا ( {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ) من أهل الملة التي أنتم عليها، وأما غيرهم ممن قد أسلم فأظهروا لهم ذلك خِدَاعًا وجه النهار واكفروا آخره لِيُفْتَتَنُوا. وهذا فيه تعصب بمعنى أنه لا يُظهرون ما هم عليه إلا من كان على دينهم، وأما المسلمون فيظهرون لهم الإسلام.
(السادسة والخمسون) إذًا الآية السابقة ( {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ) هي الآية التي ذكرها في الثالثة والخمسين والرابعة والخمسين، ومثله ومثل هذه الآية {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} . أي: لا بما أنزل على غيرنا، أي: على أنبيائنا فقط مع أنهم لم يؤمنوا به بأنبيائهم، ولهذا قال لهم تعالى رادًّا عليهم: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللهِ} . هل ما أُنزل عليكم فيه الأمر بقتل الأنبياء الله إذًا لم يؤمنوا لا بما أنزل عليهم ولا بما أنزل على [غيرهم من الأنبياء] [1] على غير أنبيائهم.
(السادسة والخمسون: تسمية إتباع الإسلام شركًا، كما ذكره في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ} [آل عمران: 79] ) .
(1) سبق.