فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 397

فقوله تعالى: ( {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ} ) . أي: ما ينبغي لبشر، ( {مَا كَانَ} ) أي: ما ينبغي، ومرّ معنا أن ينبغي هذه أعلى كلمة في المنع، أشد من التحريم، حرام أشد منه ينبغي، هذا في لغة العرب وكذلك جاء في الشرع، وأما في استعمال الفقهاء وأهل العلم فهي دون ذلك بمعنى أنهم يستعملون ما ينبغي أو ينبغي في المكروه والمستحب، ( {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} ) ، أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس أعبدوني من دون الله، أي: مع الله، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل فلئلا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق أولى والأحرى نعم، ما كان لبشر إذا أتاه الله عز وجل النبوة والرسالة أن يدعو إلى عبادة نفسه، فكيف بغيره ممن هو دون النبي والرسول هذا بطريق أولى والأحرى، لهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: لا ينبغي هذا لمؤمن - يعني: هذا القول - لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، هذا محال باطل أن يكون من رسول أو نبي، وقوله: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} . أي: ولكن يقول الرسول للناس كونوا ربانيين، أي: حكماء علماء حلماء، أما أن يكونوا معبودين فكلا وحاشا كما قال ابن عباس، وقال الحسن: فقهاء ربانيين. يعني: فقهاء، ففسر بحكماء علماء حلماء، وقال أيضًا يعني أهل عبادة وأهل تقوى. وقال الضحاك في قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} ، {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ} بما كنتم (تَعْلَمُون) ، يعني: تفهمون، {تُعَلِّمُونَ} تعدَّي تعلمون أنتم، قراءتان حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا، وهذا هو الأصل وهذه هي السنة كما هو شأن السلف أنهم إذا تعلموا عشر آيات من القرآن لم يتجاوزوها إلا بمعرفة معانيها والتفقه فيها، وليس حفظ القرآن مقصودًا لذاته [وإن كان هو خير في نفسه] إن كان هو خيرًا في نفسه، (تَعْلَمُون) أي: تفهمون معناه، وقُرِأَ {تُعَلِّمُونَ} هكذا يقول ابن كثير بالتشديد من التعليم يعني: تعلمون الغير {وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} بما كتم (تُدَرِّسُون) قراءتان تحفظونه تحفظون ألفاظه وبما كنتم تدرسون تحفظون ألفاظه. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا} أي ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله تعالى، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، أيأمركم بالكفر - هذا هو حقيقة الكفر، عبادة غير الله تعالى هي عين الكفر وهي عين الشرك - وما بُعِثَ الرسل إلا من أجل إبطال الشرك والكفر فكيف يدعون الناس إلى عبادة غير الله؟ هذا باطل، ومن دعى إلى عبادة غير الله فقد دعي إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا لا شك فيه كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت