يقال: لوى رأسه وبرأسه أماله، لوى رأسه وبرأسه يعني: تعدّى بنفسه وبالباء أماله. قال تعالى: {لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ} [المنافقون: 5] أمالوها، ولوى لسانه بكذا كناية عن الكذب لوى لسانه بكذا يعني بقول كذا كناية عن الكذب وتخرص الحديث. قال تعالى: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ} [آل عمران: 78] . قال سبحانه: {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} [النساء: 46] . وهذا نوع من أنواع التحريف وهذا من ذكر خاص بعد العام، وهذا نوع من أنواع التحريف فهي صورة من صور المسألة السابقة، واللي الإمالة فكانوا يميلون الكتاب عن المنزل إلى المحرف، فإذا قرأ القارئ منهم التوراة وبلغ كلمة الحق فيها أمال لسانه عنها ونطق بكلمة أخرى غير الحق، فاللي خاص باللسان هكذا قال بعضهم والتحريف يشمله ويكون كذلك بالكتاب، واللي كالتحريف يكون باللفظ ويكون بالمعنى، فاللفظي ما يكون بتغيير ألفاظه كالحركة الإعرابية أو تبديل حرف بحرف ونحو ذلك، واللي المعنوي يكون بتأويله على غير تأويله. قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . قال الشوكاني رحمه الله تعالى في تفسيره: أي طائفة من اليهود {يَلْوُونَ} أي يحرفون جعله مرادفًا له، أي يحرفون ويَعْدِلُون به عن القصد وأصل اللي الميل، يقول: لوى برأسه إذا أماله. عن ابن عباس في الآية رضي الله تعالى عنه قال: هم اليهود كانوا يزيدون في الكتاب ما لم ينزل الله. وعن مجاهد قال: يحرفونه. إذًا هو بمعنى. والقصة في رجم الزاني الشهيرة - ومرت معنا - وكذلك تغييرهم صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سألتهم قريش عنه هذا منه كذلك ومر معنا، وقد توعد الله تعالى من فعل ذلك فقال: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ} [البقرة: 79] .
(التاسعة والخمسون: تلقيب أهل الهدى بالصباة) أو بالصابئة كما في بعض النسخ (والحشوية) أو الحشَويَّة، في نسخة الألوسي الصابئة بدل الصباة، والصباة جمع صابئ، كقضاة جمع قاضٍ، ورماة جمع رامٍ. إذًا صباة. والْحَشْوِيَّة أو الْحَشَوِيَّة، الْحَشَوِيَّة بفتح الشين وسكونها بناء على الخلاف في اشتقاقها، فقيل: مأخوذ من الْحَشَى بفتح الشين حينئذٍ تكون حَشَوِيَّة بالفتح، وقيل: مشتقة من الْحَشْوِ حينئذٍ تكون بالإسكان.
من خصال أهل الجاهلية السخرية بأهل الإيمان والاستهزاء بهم واحتقارهم وعيبهم وتناقصهم ولمزهم وتلقيبهم بالألقاب الشنيعة المنفرة للناس عنهم. إذًا التلقيب هذا يعتبر من الشيء القبيح، وإن كان اللقب في أصله قد يقال مدحًا وقد يقال ذمًّا، لكن المراد هنا على وجه الذم لقبه بكذا جعله لقبًا له، واللقب علم يطلق على الشخص للتعريف أو التشريف أو التحقير، والتحقير هو المراد هنا. وذكر المصنف مثالين الصابئة أو الصباة والحشوية.
الأول: الصابئة لقب قديم.