والثاني: من الألفاظ المستحدثة التي رمى بها أهل البدع أهل السنة بأنهم حشوية، والصابي هو الخارج عن الدين وكانوا يسمون من أسلم صابئًا، فيقولون: صَبَأَ كما في قصة إسلام عمر وأبي ذر، بل كانوا يسمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك كما ورد في عدة أحاديث وهي في البخاري ومسلم تنفيرًا للناس عن اتباع سبيلهم، وأما الصابئة فهي أمة قديمة على مذاهب مختلفة قد تكلم عليها أهل المقالات بما لا مزيد عليه. قال قوم نوح عنه: {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر: 9] . {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وقال قوم هود لنبيهم - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} . وقيل عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - {مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} [الدخان: 14] وقالوا: {شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30] وغير ذلك من الألقاب التي لا يخلو منها زمان ولا مكان. وأهل الباطل المبتدعة وغيرهم يرمون أهل السنة وأهل الحديث بألقاب بذيئة، ومنها الْحَشَوِيَّة التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى. قال أبو عبد الله بن قتيبة في (( تأويل مختلف الحديث ) ): إن أصحاب البدع سموا أهل الحديث بالحشوية والنابتة والمتجبرة والجبرية، وسموهم الغثاة. كل هذه ألقاب مصطنعة وهم ألصقُ بها، وهذه كلها أنباز لم يأتِ بها خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني: ليس فيها خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلقب من هذه الألقاب البذيئة، كما أتى في القدرية أنهم مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم. وهذا الحديث مقبول في الجملة، وفي الرافضة وفي المرجعة وفي الخوارج أورد أحاديث والذي يقتل الخوارج. ثم قال رحمه الله تعالى: هذه أسماء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي وصفهم ولقبهم بذلك هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتلك يعني: ألقابهم أسماء مصنوعة، يعني: من جهة أنفسهم. انتهى كلامه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( النونية ) ):
ومن عجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أثر ومن قرآن
حشوية يعنون حشوًا في الوجو ... د وفضلة أمة الإنسان
ويظن جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان