فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 397

(الثالثة والسبعون: تعبدهم بترك زينة الله) أي: تقربهم إلى الله تعالى بترك الطيبات من الرزق، وترك لباس الزينة، ويتعبدون بالتشديد على النفس ومنعها مما أباحه الله لها، وهذا ليس من الشرع، وإنما هو من سيما أهل الجاهلية، فما أباحه الله تعالى من الطيبات من المأكولات والمشروبات والملبوسات لا يحل لأحدٍ أن يحرمه البتة، ولا يترك ورعًا البتة، وإنما من شُكْرِ نعمة الله تعالى أخذ هذه الطيبات شربًا وأكلًا ولباسًا، قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32] . يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى ردًّا على من حرم شيئًا من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرعٍ من الله تعالى - لا شك أن ثم شيئًا من المطعومات محرم كأكل الميتة، وشيئًا من المشروبات محرم كشرب الخمر، كذلك من الملبوسات كالحرير بالنسبة للرجل أو الذهب هذا لا شك أن فيه تفصيل فليس كل مأكولٍ يكون مباحًا، فإنما منه ما أباحه الله وهو الذي يعنينا في هذه المسألة - من تلقاء نفسه من غير شرعٍ من الله تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} .. الآية، أي: هي مخلوقةٌ لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا كل طيبٍ في هذه الدنية فإنما خلقه الله عز وجل لمن عبده، وأما الكافر فلا حظ له فيه البتة، حتى الهواء هذا الذي يستنشق لا حظ للكافر فيه ولذلك يحاسب عليه يوم القيامة مع الحساب على ترك التوحيد والواجبات وفعل المحرم، فهي مخلوقة لم آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وأورد ابن كثير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون. هذه عبادتهم تصفيق وتصفير فأنزل الله {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} فأمروا بالثياب، أمروا بالثياب. وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها. وقال قتادة: هو ما حرم أهل الجاهلية عليهم في أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وقال ابن زيد: كان قومٌ يحرمون من الشاةِ لبنها ولحمها وسمنها، فأنزل الله {قُلْ مَنْ حَرَّمَ} الآية. والزينة هي الثياب. وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: الزينة ما يَتَزَيَّنُ به الإنسان من ملبوسٍ أو غيره من الأشياء المباحة، كالمعادن التي لم يرد نهيٌ عن التزين بها والجواهر ونحوها، وقيل: الملبوس خاصةً، ولا وجه له، بل هو من جملة ما تشمله الآية، فالآية عامة لم نختص بشيءٍ دون شيء، بل كل ما يتزين به فالأصل فيه الإباحة، إلا إذا وقع على جهة المشابهة، كنساء بالنسبة للرجال، أو العكس، حينئذٍ الأصل فيه الإباحة ولكن يحرم من جهة ما دخله من وصفٍ، كما نقول: الأصل في العبادة التشريع، فإذا اتصل أو اتصف بها شيءٌ زائد عنها قلنا: هي بدعةٌ إضافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت