فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 397

قال ابن جرير رحمه الله تعالى: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز الْبُرّ، يعني: لم يصل ومن ترك أكل اللحم خوفًا من عارض الشهوة .. إلى آخره. قل: كل ذلك لم يُصِبْ وقد يكون مراد ابن جرير رحمه الله تعالى الرد على الصوفية الذين يتقشفون بتك الطيبات والمباحات ويتقربون إلى الله تعالى، نقول: هذا يعتبر من البدع. ... {الْطَّيِّبَاتِ} المستلذات من الطعام وقيل هو اسم عام لمن طاب كسبًا ومطعمًا، قد نهي الله تعالى عن تحريم زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] ، {لاَ تُحَرِّمُواْ} نهي والنهي يقتضي ماذا يقتضي التحريم، حينئذٍ لا يحل لأحدٍ أن يحرم شيئًا من الطيبات مما لم يحرمه الله تعالى، ولذلك إذا اختلف الناس العلماء في شيءٍ ما هل هو مباحٌ أم لا فالأصل فيه الإباحة حتى يثبت الدليل على أنه محرم، كذلك الأصل في المعاملات الإباحة حتى يثبت الدليل على أنه محرم، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] وجاء في حديث أنس المشهور أن نفرًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عمله في السر، ماذا يفعل ماذا يصنع في البيت؟ فقال بعضهم [لا أتزوج] - بعد أن علموا: لا أتزوج النساء. أراد أن يتقرب إلى الله تعالى بترك النساء، ولذلك صار بدعة، لكن لو ترك الزواج لأمرٍ شرعي لا يكون بدعةً، لو ترك الزواج لا لرغبة فيه، لم يرغب فيه، لا يكون بدعة وإنما يكون بدعةً إذا تقرب إلى الله تعالى بترك النكاح. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال أقوامٍ قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام» . إذًا من السنة النوم، «وأصوم وأفطر» . إذًا من السنة الفطر كما أنه من السنة الصوم، «وأتزوج النساء» . وهو من السنة «فمن رغب عن سنتي فليس مني» . ما هي السنة؟ «فمن رغب عن سنتي» . التي ذكرها وهي الصوم والفطر والنكاح وكذلك الصلاةُ والنوم، ومن هنا نأخذ القاعدة التي ندندن نحوها دائمًا أن الأصل في النبي - صلى الله عليه وسلم - في فعله التأسي حتى لو كان من العادات التي يزعم كثير من الأصليين أنه لا يُتَأسى بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا دليل واضح بَيِّن، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه سنة، قال ماذا؟ «أصلي وأنام» . أطلق على النوم أنه سنة وهو من العادات، كذلك قال: «أصوم وأفطر» . والإفطار يتعبر من العادات لأنه موافق أمر جبلي لا بد أن يأكل ويشرب «وأتزوج النساء» . كذلك هذا موافق للفطرة وهي الشهوة، «فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت