والثاني: عالم معه علمٌ ويعلم أن غيره معه الحق وليس معه هو إلا الباطل، ودعوته حينئذٍ تكون إلى الكفر وهذا أليق بحال اليهود. اليهود يعلمون في الجملة ولكنهم لا يعملون، والنصارى يعملون ولا يعلمون، وهذا أليق بحال اليهود فإنهم علموا الحق لكنهم غيرُ وبدَّلوا وكتموا وصدُّوا الناس عن إتباع الحق، وهاتان الخصلتان موجودتان في جميعهم إلا أن بعضهم اتصف بها أكثر من غيرهم، فاليهود وإن كان الأصل في علمائهم العلم إلا أن في بعضهم من الجهل كما هو الشأن في النصارى، يعني: الحكم هنا كليّ وليس كليًّا، يعني: لا يكون مطرد في كل واحد، إنما في الجملة فالغالب فيه أنهم علماء يعلمون الحق ويخالفون، لكن فيهم كذلك من هو جاهل كالنصارى، والنصارى كذلك الأصل فيهم أنه جهَّال لكن فيهم من بعلم فالوصف هنا بالأغلب، إلا أن بعضهم اتصف بها أكثر من غيرهم، فاليهود في بعضهم من الجهل كما في النصارى، والنصارى عند بعضهم من العلم كما عند بعض اليهود، إلا أن هذه أخص بالجهل، وتلك أخ بالعناد مع العلم كما قال السعيد قي شرحه، فالدعوة إلى الله تعالى بغير علمٍ هي من صفات أهل الجاهلية فانتبه قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} ... [الأنعام: 119] ، {كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم} يعني يضلون غيرهم ... {بِأَهْوَائِهِم} الباء سببية يعني بسبب ما تمليه عليهم أهواءهم {بِغَيْرِ ... عِلْمٍ} . قال الشوكاني رحمه الله تعالى في (( الفتح القدير ) ): هم الكفار الذين كانوا يُحَرِّمُون البحيرة والسائبة ونحوهما، فإنهم بهذه الأفعال المبنية على الجهل حرَّموا على جهلٍ، كانوا يضلون الناس فيتبعونهم ولا يعلمون أن ذلك جهلٌ وضلالة، عدم العلم لا يرفع عنهم الوصف بالضلالة، صحيح؟