(السابعة والسبعون: أن أئمتهم إما عالم فاجر، وإما عابد جاهل، كما في قوله) {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ} [البقرة: 75] إلى قوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] )، (أن أئمتهم) جمع إمام أئِمة، ويقال أيمة بالتخفيف جمع إمام، إِمَام فِعَال بمعنى مفعول، مَنْ يُؤْتَمُّ أو من يَأْتَمُّ به الناس من رئيسٍ أو غيره أو عالم أو طالب علم يَأْتَمّ به الناس فهو إمام لهم فهو قدوة، ثم قد يكون حسنةً وقد تكون سيئةً، ويقال: ائتم بالرجل اقتدى، بين المصنف بهذه المسألة أن المقتدى بهم في الجاهلية حالهم لا يخرج عن رجلين، إما عالمٌ فاجر يعني: لا يعمل بعلم، العالم الفاجر هو الذي يعلم لكن لا يعمل مثل أحبار اليهود، (وإما عابد جاهل) وهو العامل بغير علمٍ، وهذا الشأن في رهبان النصارى، وقد سن المصنف في هذه الخصلة بقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ} [البقرة: 75] هذا ليس ابتداء آية {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} هذا عالمٌ فاجر، حَرَّفَ كتاب الله مع علمه، إذًا يعلم وترك العمل بالعلم {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} [البقرة: 75] يعني: فهموه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مذنبون، ويعلمون أنهم على باطل {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 76 - 77] ثم قال: {وَمِنْهُمْ} [البقرة: 78] هذا القسم الثاني {أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} هذا جاهلٌ، {أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} . يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية: يقول تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} أيها المؤمنون {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} أي: ينقادوا لكم، ينقادوا لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد إباؤهم من الآيات البيانات ما شاهدوه {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 74] ، {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أي: يتأولونه على غير تأويله، التحريف مر معنا أنه تحريف لفظي وتحريف معنوي، {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرةٍ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. قال السُّدِّي {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} قال: هي التوراةٌ حرفوها، يعني: كل اليهود.