وهذا الذي ذكره السدي كما قال ابن كثير أعم مما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنها حيث قال، ابن عباس قال رضي الله تعالى عنه: وليس قوله يسمعون التوراة كلهم قد سمعها، ولكن هم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيه. يعني: خص الوصف هنا بعضهم دون جميعهم، واختار ابن جرير قول ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماعه كلام الله أن يكون منهم، ثم {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ} هل سمعوه مباشرةً لا يلزم، [لظاهر نعم] فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منهم، كما سمعه الكليم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام. وقال قتادة: هم اليهود كانوا {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} ووعوه. وقال مجاهد: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم. وقال السدي: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: أنهم أذنبوا. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّون} هذا النوع الثاني، {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّون لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} أي: ومن أهل الكتب. قاله مجاهد، والأميون جمع أُمِّيّ وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة أُمِّيٌّ يعني: لا يُحْسِنُ الكتابة، وهو ظاهر في قوله: {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} أي: لا يدرون ما فيه إلا أماني. عن ابن عباس {إِلاَّ أَمَانِيَّ} الأحاديث، وعنه: إلا قولًا يقولون بأفواههم كذبًا. إذًا أماني فسرها بالكذب. وعن مجاهد {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّون لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} قال: أناسٌ من اليهود لم يكون يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وقال قتادة {إِلاَّ أَمَانِيَّ} يتمنون على الله تعالى ما ليس لهم. وقال مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى شيئًا، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتخرصون الأباطيل كذبًا وزورًا. والتمني في هذا الموضع هو تَخَلُّق الكذب وتخرصه. وقيل المراد بقوله: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} سواء كان بالتشديد أو بالتخفيف أيضًا أي: إلا تلاوةً {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} كذبًا تخرصًا، أو إلا تلاوةً، يعني ليس لهم إلا قراءته فقط، أي: إلا تلاوةً، فعلى هذا يكون استثناءً منقطعًا، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52] تمنى يعني تلا {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} ، وقال مجاهد: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} يكذبون. وقال قتادة: يظنون بالله الظنون بغير الحق. إذًا الله تعالى في هذه الآية قسم اليهود إلى قسمين:
-العلماء الفجار وهم الذين يعلمون ولا يعملون وذكرهم بقوله: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .