أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله الكذب وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، وحاكمٌ عليهم، ومجازيهم به، ولهذا قال: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك [في قوله] [1] في وقوعه وفي كونه ... {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25] . انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.
إذًا هذه أمنية من أمانِيّ أهل الكتب أنهم لن تمسهم النار إلا أربعين يومًا، أو كما جاء في النص إطلاق {إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} ، {مَّعْدُودَاتٍ} فرد الله تعالى عليه مقولتهم بأنه كذبٌ وافتراءٌ على الله.
الآية الثانية التي استدل بها المصنف هنا على أمانيهم الكاذبة قوله تعالى أنهم قالوا: ( {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ) . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يبين الله تعالى اغترار اليهود والنصارى، وهذا من غرورهم [أنه] أن الجنة مختصةٌ باليهود وهذه دعوى اليهود، وأن الجنة مختصةٌ بالنصارى، وهم على باطل ومع ذلك اختصوا أو خصوا أنفسهم بالجنة ومنعوا غيرهم من دخولها، يبين الله تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه حيث ادعت كل طائفةٍ من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] فأكذبهم الله تعالى لما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، كيف وأنتم أبناء الله عز وجل فيعذبهم ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم أنهم لن تمسهم {النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} ، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليه الرب جل وعلا في ذلك كما مر، وهكذا قال لهم في هذه الدعوة التي ادعوها بلا دليل ولا حجةٍ ولا بينةٍ، فقال جل وعلا: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111] . قال أبو العالية: أمانّيّ تمنوها على الله بغير حقٍ. ثم قال تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} ، {قُلْ} يا محمد {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي: حجتكم يعني: طالبهم بالحجة، لأنه ما من حكمٍ يصدر من الإنسان إلا ولا بد وأن يكون ثَمَّ ما يدل عليه من حجةٍ أو بينة وإلا فهو دعوى {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} أي: حجتكم. قاله مجاهد، وقال قتادة: بينتكم على ذلك {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: فيما تَدَّعُونَه.
(1) سبق.