وهنا في فائدة جدلية عند أهل الجدل، وإن كان أكثر المناطقة على المنع أنه لا يطالب النافي بالدليل، النافي لا يطالب بالدليل عند أكثر أرباب الجدل، وإنما الذي يُثْبِت هو الذي يطالب بالدليل، وهنا نفوا {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} هذه الجملة منفية أو مثبته؟ منفية مع ذلك قال الله تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} يعني: دليلكم، إذًا الدليل كما يكون لإثباتٍ يكون لنفيٍ، فلا تَنْفي إلا بدليل ولا تُثْبت إلا بدليل، انتبه إلى هذه ونَبَّه على ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى، [وقد رد الله] وصور تمني الأماني الكاذبة كثيرة مذكورةٌ في القرآن، وقد رد الله تعالى عليهم وسبق قوله تعالى، {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] ، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 49] ، وكذلك قالوا: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] ، {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169] . {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا} [الكهف: 36] أماني كثيرة حكاه الله عز وجل ولكنها ما لم تثبت بدليلٍ واضحٍ بين من كتابٍ أو سنة فهي مردودةٌ على أصحابها.
قال تعالى مبينًا حال أمانيهم: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} [النساء: 123] . هذا نفيٌ {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ [مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى] وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123، 124] .
إذًا القاعدة واضحة بَيِّنَة تدل على أن أمانِيَّهم كاذبة.