فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 397

من صوره ما ذكره المصنف هنا (اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) هذا من باب الغلو، كذلك (اتخاذ آثار أنبياءهم مساجد) وهذا كذلك من جهة الغلو، والفرق بين المسألتين أن المسألة الأولى (اتخاذ قبور أنبيائهم) هذا غلوٌ في الأشخاص. والمسألة التي تليها (اتخاذ آثار أنبياءهم) هذا غلوٌ في آثار الأشخاص، هذا الفرق بين المسألتين. فإما أن يحصل الغلو في الشخص نفسه النبي أو رجلٌ صالح، وإما أن يحصل الغلو في آثاره، وما يحصل من التبرك ونحو ذلك، وما ذكره المصنف في هاتين المسألتين وما سيأتي بيانٌ وتفصيلٌ لصور هذا الغلو، الغلو في العلماء والصالحين.

فمن الغلو في الصالحين اتخاذ المساجد على قبورهم، واتخاذ آثارهم مساجد، والآثار جمع أثر كما مرَّ وهي الأماكن التي كانوا ينتابونها للجلوس فيها وقضاء الحاجات ونحو ذلك كالصلاة ونحو ذلك. ومراد المصنف رحمه الله تعالى باتخاذ القبور مساجد مراده جعلها أماكن للتعبد ليس المراد مساجد أنهم يبنى المسجد البناء هذا، لا، وإنما المراد أنه يتعبد الله تعالى عند القبر سواءً بنا عليه مسجد أو لا، فكل من سجد على أرضٍ فقد جعل تلك الأرض مسجدًا لأن مسجد مفعل المراد به اسم مكان فيقع هذا الوصف على كل من وقع جبهته على الأرض بأنه اتخذه مسجدًا. وهذا الذي يفسر به في هذا المقام لأن المسجد أعمّ، ونص على ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد أن المساجد هنا ليس المراد المساجد التي هي البناء، وإنما المراد ما هو أعمُّ من ذلك، فتشمل النوعين، فلا يُبنى على القبور مساجد، فإن بني فهي باطلة لا يُصلى فيها والصلاة فيها باطلة ولا تصح، كذلك لا يُسجد ولا يتعبد لله تعالى عند القبر مطلقًا لا بصلاةٍ ولا بتلاوة قرآن ولا بدعاءٍ البتة، ومراد المصنف باتخاذ القبور مساجد جعلها أماكن للتعبد وإن لم يبنوا عليها مساجد، وقد بَوَّبَ المصنف رحمه الله تعالى لهذه المسألة في كتاب (( التوحيد ) )باب ما جاء من التغليظ فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجلٍ صالح، فكيف إذا عبده. جاء تشديد من الشرع بأن من عَبَدَ الله مَا عَبَدَ صاحب القبر، وإنما عبد الله عند قبرٍ جاء الوعيد الشديد له، فكيف إذا عبد صاحب القبر؟ وهذا يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

ومما يدل على وجود هاتين الصورتين في الجاهلية قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} [الكهف: 21] في سورة الكهف {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} . قال ابن كثير: حكا ابن جرير في القائلين ذلك قولين. اختلف المفسرون وابن جرير حكا القولين ولم يُرَجِّح واتبعه على ذلك ابن كثير لأن الآية فيها نوع اشتباه، ولا ينبني عليه الحكم يعني، هل القائلون {الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} وقالوا: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} هل هم مسلمون أم مشركون؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت