(الرابعة والثمانون: اتخاذها أعيادًا) . (اتخاذها) أي: القبور (أعيادًا) والأعياد جمع عيد، وهو ما يتكرر ويعود، ولذلك هو مأخوذٌ من العود، ونص أهل العلم على أنه العيد عيد الفطر وعيد الأضحى إنما كانا عيدين لأن الناس أو الشرع عَلَّق بهما أحكامًا شرعية تكون بعودة هذه الأيام كل عام، وإذا كان كذلك فحينئذٍ كل ما عُلِّقَ بزمنٍ أو مكانٍ يَعُود ذلك الفعل بَعَوْدِ هذا اليوم صار عيدًا، وإذا تقرر أن أمة الإسلام لم يُشْرَعْ لها إلا عيدان فقط عيد الفطر وعيد الأضحى، وحينئذٍ يكون هذا النص حاكمًا على جميع الأعياد بالبطلان، فلا عيد لا من جهة عيد الأم، ولا من جهة عيد الزواج، ولا من جهة اليوم الوطني ولا غيره كل ذلك نقول: تعتبر من الأعياد الباطلة، لأن فيه معنى الْعَوْد، وكل ما علق فيه على العَوْدِ ورجوع الأيام كل سنة يُنْصب عملٌ معين لوجود هذا الزمن، نقول: هذا يعتبر عيدًا، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: هذا منهيٌ عنه. الأعياد جمع عيد وهو ما يتكرر ويعود، وهو قسمان عيدٌ زماني: كعيد الفطر والأضحى، وعيدٌ مكاني وهو المكان الذي يجتمع فيه على مدار السنة أو الأسبوع أو الشهر، يُجتمع فيه للعبادة، وبين المصنف رحمه الله تعالى بهذه المسألة أن من صور الغلو عند الجاهليِّين في قبور الأنبياء والصالحين جعلُها أو جعلَها أعيادًا. أي: مكانية فيقصدونها بالاجتماع فيها والعبادة عندها، قال - صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا قبري عيدًا» بمعنى أنه يُعاد إلى القبر مرةً بعد أخرى. أي: ما كان بالاجتماع حوله والعكوف حوله والتردد عليه «وصلوا عليّ حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني» فإذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جعل قبره عيدًا، فغيره من بابٍ أولى وأحرى، لو جاز أن نجعل قبرًا ما عيدًا لكان قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى القبور، لكن لما خص النهي بقبره أن لا يجعل عيدًا دل على أن من دونه ولا شك أن كل الخلق دونه عليه الصلاة والسلام، دل على النهي من بابٍ أولى وأحرى لأن هذا وسيلةٌ من وسائل الشرك، ولَمَّا سأل رجلٌ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نذر أن ينحر إبلًا ببُوانة بضم الباء اسم موضع، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: لماذا خصص لأنه يرد السؤال إذا خص رجلٌ ما عملًا معينًا في مكانٍ ما لا بد أن له سببًا، لا بد وأن له سببًا أما التخصيص لزمن أو مكانٍ دون مراعاة بركة خيرٍ أو شيءٍ في ذلك الموضع فالأصل عدمه، ولذلك استفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال له: إني نذرت أن أذبح إبل ببُوانة. طيب إذًا نذرت أن تذبح إبل في أي مكان لماذا خصصت؟ فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له عليه الصلاة والسلام: «هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد» ؟ فقال: لا، قال: «هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم يجتمعون فيه؟» قال: لا، قال: «أوفِ بنذرك» إذًا لم يأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد ما تحقق عليه الصلاة والسلام من أن هذا الموضع بوانة أنه ليس محلًا لعبادة وثنٍ وليس محلًا لاجتماعٍ على عبادةٍ باطلة. فقال له: «أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا في ما لا يملك ابن آدم» .