(الخامسة والثمانون: الذبح عندها. وفي نسخةٍ: الذبح عند القبور) . من خصال أهل الجاهلية عبدة الأصنام الذبح للقبور تعظيمًا لها كما تعظم الأصنام، وقد جاء قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا عَقْرَ في الإسلام» . قال عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى: وكانوا يعقرون عند القبر بقرةً أو شاةً وذلك أنهم كانوا إذا مات الميت نحروا على قبره بعيرًا أو بقرةً أو شاةً، ويعللون ذلك بأنهم يجاورونه أو يجارونه على فعلهم، لأنه كان يعقرها في حياته للأضياف، فإذا ذبحوها على قبره وأكلتها السباع والطير فيكون حينئذٍ مُطْعِمًا في مماته كما كان مُطْعِمًا في حياته، وهذا يسمى العقر عندهم، ومن يؤمن بالبعث والنشور منهم - يعني: من أهل الجاهلية - كان يعتقد أنه إذا عُقِرَتْ عند الميت دابته جاء يوم القيامة وهو يركبها وإلا جاء راجلًا - يعني: إذا ذبح فرسه على قبره حينئذٍ يأتي يوم القيامة راكبًا فرسه، وإن لم يفعل جاء ماشيًا على قدميه [ها ها] .. إلى آخر ما ورد في أسباب ذلك الذبح، وقد خالف هَدْي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدي أهل الجاهلية فأبطل ما كان يعتقده هؤلاء القوم من الذبح لغير الله تعالى وهو شركٌ أكبر إذا كان تعظيمًا للقبر، لأن الذبح عبادة {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] . إذًا الذبح عبادة، وإذا ذبح لصاحب القبر حينئذٍ صرف العبادة لغير الله تعالى فهو مشركٌ شركًا أكبر، وإذا كان تعظيمًا لله ما أراد صاحب القبر وإنما أراد بركة الموضع، وإذا كان تعظيمًا لله ولكن فعله عند القبر ظانًّا أنه مشروع فهو بدعة ووسيلةٌ إلى الشرك. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163] . فأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالفٌ لهم في ذلك فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . أي: انحر لربك أي: أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره جل وعلا بمخالفتهم والانحراف عن ما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى. وقال - صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من ذبح لغير الله» وهذا لا يدل على أنه غير مشرك لأن المشركين والكفار واليهود والنصارى ملعونين، ولذلك مرة معنا في الأحاديث السابقة «لعن الله اليهود والنصارى» ... فقوله - صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من ذبح لغير الله» إن كان مشركًا وحينئذٍ هو ملعونٌ وإن لم يكن كذلك فهو مبتدعٌ ضالٌ مضل وهو كذلك ملعونٌ، وصح نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن من استأذنه بالذبح ببوانة كما مر معنا حيث نذر ذلك فقال له - صلى الله عليه وسلم: ... «أكان فيها صنمٌ؟» قال: لا، ..