الحديث على ما مرَّ، وقد علم - صلى الله عليه وسلم - شيئًا مما سأل عنه لمنعه - يعني: لماذا بين له النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذين السؤالين - لما علم أنه لم يكن ثَمَّ عيدٌ ولم يكن ثَمَّ وثنٌ يعبد من دون الله أذن له، لو علم لكان مانعًا ... له - صلى الله عليه وسلم - صيانةً لحمى التوحيد وقطعًا لذريعة الشرك، فلا يجوز الذبح عند القبور مطلقًا ولو لم يعتقد الذابح شيئًا فيها لأنها وسيلةٌ إلى الوقوع في الشرك.
(السادسة والثمانون: التبرك بآثار المعظمين، كدار الندوة، وافتخار من كانت تحت يده بذلك، كما قيل لحكيم بن حزامٍ: بِعْتَ مَكْرُمَةَ قريش؟! فقال: ذهبت المكارم إلا بالتقوى) .
وهذه المسألة بعضهم جعلها مسألتين ولكن جعلها مسألة واحدة من باب الاختصار أولى، وهذه المسألة بيان صورةٍ من صور الغلو في الصالحين وفي آثار المعظمين، ومن ذلك التبرك بها قال: (التبرك بآثار المعظمين) وهو أي: التبرك التيامن بها، وطلب حصول الخير منها، والبركة كما هو مشهور ثبوت الخير الإلهي في الشيء، بمعنى أنه لا يُتَبَرّك بشيءٍ إلا إذا دَلَّ الدليل على أن الله عز وجل جعل بركةً فيه، والبركة قد تكون في المواضع الأماكن، وقد تكون في الأزمان، وقد تكون كذلك في الأشخاص، وفيه معنى الزوم ولذلك قيل: ابتركوا في الحرب أي: ثبتوا ولازموا موضع الحرب، ويلزم من ذلك القرب منها وملابستها والعكوف عندها وفيها، فكانوا يتبركون بآثار معظميهم من علمائهم أو ملوكهم أو كبرائهم، ويرجون حصول الخير الإلهي منها وبالقرب منها، وكانوا مع ذلك يفتخرون بها كما قال المصنف هنا: (وافتخار من كانت تحت يده بذلك) وقد مثل المصنف للتبرك بدار الندوة، وهي دارٌ بناها قصي بن كلاب، وكانت قريش تأتمر فيها حيث كانوا يتيامنون بأمره، فهو مكانٌ يجتمع فيها أكابر قريش للتشاور فيما ينتابهم، فلما جاء الإسلام وزالت الجاهلية بقي مبني، بقي. يعني: دار الندوة أو مبنى دار الندوة على حاله إلى زمن معاوية رضي الله تعالى عنه تُمْتَلك وينتفع بسكناها وتحويلها عن هيئتها، وقال عبد الله بن الزبير لحكيم بن حزام لما ابتاع منه معاوية دار الندوة بمائة ألف درهم: (بِعْتَ مَكرُمَةَ قريش) وقد سماها (مَكرُمَةَ) يعني: مما تَكْرُمُ به الفئة أو الطائفة أو القبيلة، مما يدل على عظم شأن من كانت تحت يده في الجاهلية، وهذه التسمية باعتبار ما مضى، يعني ليس ابن الزبير هنا يرى أنها مكرمة في حال الإسلام وإنما باعتبار ما مضى، فهي مجاز، وأما باعتبار بعد الإسلام فليس الأمر كذلك، وهذه التسمية باعتبار ما مضى مما كانت تعدُّه قريش مكرمة ... (فقال: ذهبت المكارم إلا بالتقوى) . وهذا مما جاء به الإسلام قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] . والتبرك فيه تفاصيل كثيرة عند يأتي في موضعه في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى.
السابعة، والثامنة، والتاسعة والثمانون، والتسعون: