فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 397

(الحادية والتسعون: أن أجل فضائلهم) يعني: أهل الجاهلية أعظم فضائلهم (البغي، فذكر الله فيه ما ذكر) . (البغي) يقال بغى فلانٌ بغيًا تجاوز الحدّ واعتدى وتسلط وظلم، فالبغي هو الظلم والتعدِّي والاستطالة على الناس، وفلانٌ يبغي على الناس إذا ظلمهم وطلب أذاهم، فهم يبغون على الناس، بمعنى أنهم يعتدون ويظلمون، فمن خصال أهل الجاهلية التعدِّي والاستطالة على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ويعتبرون ذلك من مفاخرهم ويتمدحون به في أشعارهم ومقالاتهم، ويعتبرون ذلك فضيلةً يمتازون بها على غيرهم، واليهود افتخرت بقتل نبيهم عيسى عليه السلام كما زعموا {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ} [النساء: 156، 157] . فهم يفتخرون بقتله مع أنه نبيٌ من الأنبياء ورسولٌ من أولى العزم من الرسل، وقارون مضرب المثل في البغي كما قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 76، 78] فجاء الإسلام بتحريم البغي الاعتداء والظلم على الناس والنهي عنهم والأمر بالعدل بين الناس، وشرع لمن بُغِيَ عليه أن يقتص لنفسه حتى يرتدع الباغي وينتصر المظلوم. قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 33] ، وقال سبحانه: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90] ، نص على البغي، وقال عز وجل: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 41، 42] . وقال - صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يسخر أحدٌ على أحدٍ ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ» رواه مسلم. وهذا كله يدل على أن البغي محرمٌ، وهو الظلم والتعدي والاستطالة على الناس وأن من ظُلِمَ جاز له أن يقتص بنفسه ولكن هو كذلك لا يظلم ولا يعتدِّي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت