فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 397

وعن جابرٍ رضي الله عنه أنه قال: (كنا في غزاةٍ فكسع رجلٌ) - يعني: ضرب رجلٌ - (من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار) نداء وقال (المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما بال دعوى الجاهلية» قالوا: يا رسول الله اكتسع رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال - صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة» - يعني: اتركوها - «دعوها فإنها منتنة» ) كالميتة، فقد سمَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا التداعي دعوى الجاهلية، وكانوا يقولون «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» : على ظاهرها ليس بالمعنى الشرعي الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فالتعصب للطائفة أمرٌ لا بد منه عندهم كما قال هنا الإمام رحمه الله تعالى، قد خالف هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هديهم في هذه الخصلة فأمر بالعدل ولو مع العدو، قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} [المائدة: 2] . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} أي: لا يحملنكم بغض قومٍ قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم - مع أنهم صدوهم عن المسجد الحرام - فنهاهم الله عز وجل عن أن يعتدوا عليهم، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كقوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] . أي: لا يحملنكم بغض قومٍ على ترك العدل مهما كانت العداوة بينك وبين غيرك ولو كان من الكافرين، لا يجوز الظلم أبدًا، فإن العدل واجبٌ على كل أحدٍ في كل أحدٍ في كل حال، بمعنى أنه واجبٌ على كل أحدٍ سواءً كان مسلمًا أو كافرًا، في كل أحدٍ سواءً كان قريبًا أو بعيدًا، في كل حالٍ في حال الغضب في حال السراء والضراء ونحو ذلك. وقال بعض السلف من المتقدمين: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. ما عاملت من عصى الله فيك - يعني: اعتدى عليك وتطاول عليك - بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السماوات والأرض. وعن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه قال: ... (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» . قيل: يا رسول الله هذا ننصره مظلومًا) واضحٌ بين (( فكيف أنصره إذا كان ظالمًا قال عليه الصلاة والسلام: «تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره» . وهذا فيه تحذيرٌ من التعصب وأمرٌ بنصر الظالم والمظلوم، وبَيَّن عليه الصلاة والسلام كيفية نصر كلٍّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت