فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 397

إذًا هذه الثلاثة أقوال والمشهور هو الأول، وقيل {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي: بالبيت يفتخرن به ويعتقدون أنهم أوليائه وليسوا به، وساق ابن كثير إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله: إنما كُرِهَ السمر حين نزلت هذه الآية، فقال: مستكبرين بالبيت يقولون: نحن أهله سامرًا. قال: كانوا يتكبرون ويسمرون ولا يعمرونه ويهجرونه. فهم بدلًا من أن يؤمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبالكتاب المنزل عليه ويتبعوه يفتخرون بعملهم في البيت، ويظنون أن هذا يكفيهم في دخول الجنة، يكفيهم عن إتباع الكتاب وإتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهذا وجه الذّم لهم أنهم اعتاضوا عن إتباع الكتاب بخدمة البيت ظنًّا منهم أنها تكفيهم، هذا من أمور الجاهلية، هذا الذي أراده المصنف رحمه الله تعالى. وقال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ} [التوبة: 19] . هؤلاء صنفان هم سووا بينهما، بل جعلوا من سقى الحجاج وعَمَرَ المسجد مع شركه وعدم إتباعه جعلوه أفضل وأعلى درجةً من المؤمن المجاهد، وهذا فاسد، فلا يستوون عند الله {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: في الآية إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله وقيامنا على السقاية خيرٌ ممن آمن وجاهد. يعني: نصُّوا على ذلك فنزلت الآية إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله الحرام وقيامهم على السقاية، خيرٌ ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعُمَّارُهُ، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم. وقال أيضًا: قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أُسِرَ ببدرٍ قال: لئن سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني. إذًا سبقناكم بهذه الأعمال مع كونها في نفسها هي طاعات ولا شك، لكنها مع الشرك ذهبت هباءً منثورًا، وإلا هي في نفسها طاعات عمارة المسجد الحرام يعني: بناية والإحسان إليه، وكذلك سقاية الحاج ونحو ذلك وفك العاني كلها طاعات في نفسها، لكن لما فقدت الإخلاص وكان الشرك الفاعل متلبس به فحينئذٍ بطلت به هذه الأعمال. لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسفي الحاج ونفك العاني، وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفرٍ من أصحابه فقال رجلٌ منهم: ما أبالي ألا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. اختلفوا فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم جمعة، ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيته فيما اختلفتم فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت