الافتخار مرّ معنا معناه التعالي والتعاظم، وهذا من خصالهم أنهم يفتخرون بكونهم ذرية الأنبياء دون أن يتبعوهم، ما الفائدة؟ المراد من الرسل والأنبياء هو الإتباع الإيمان والعمل، وكونهم من ذرية إبراهيم أو من ذرية غيره، هذا لا يكفيهم دون أن يكون متبعين للرسل، إذ الغاية العظمة من بعث الرسل وإرسال الرسل هو الإتباع إقامة شرع الله عز وجل، فإن لم يكونوا متبعين حينئذٍ لو كانوا من ذرية الأنبياء لا ينفعهم شيئًا البتة، وهذا من خصالهم أنهم يفتخرون بكونهم ذرية الأنبياء دون أن يتبعوهم، بل جعلوا ذلك متكئ لترك العمل بما شرع الله تعالى على ألسنة رسله، وهذا من الأماني الكاذبة - التي مرّ معنا الحديث عنها - فإن صلاح الآباء لا ينفع الأبناء إذا لم يستتبعهم صلاحهم، صلاح الآباء لا ينفع الأبناء إذا لم يكن الأبناء صالحين، إذا لم يكن الأبناء صالحين فلو كان أبوهم نبيًا أو رسولًا أو عالمًا أو أي كان من الصالحين فذاك لا ينفعوا البتة إذا ترك العمل، فَرَدَّ الله تعالى عليهم بقوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} . أي: مضت {خَلَتْ} مضت {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم} أي: إن السلف الماضيِين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم، {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هكذا قال الله تعالى. وقال قتادة {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ولهذا جاء في الأثر «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» . إذًا {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} يعني: مضت {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الأعمال {وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ} ، {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ولا هم يسألون عما عملتم، كل امرئٍ بما كسب رهين، وسبق قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] . هنا ليس الانتساب إلى الأنبياء من البشر، بل انتسبوا إلى الله تعالى مع كونهم كذبة في دعواهم إلا أن الله عز وجل كذلك رد عليهم {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} إذا كنتم أبناء لله عز وجل فلما يعذبكم {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ} حينئذٍ انتسابهم إلى الله عز وجل لكونهم أبناء لله تعالى. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا مع ذلك الله عز وجل بين أنه لا ينفعهم ذلك الانتساب لكون لم يعملوا خيرًا. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} اعتمدوا على مجرد النسب مع ترك العمل فردّ عليهم {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} قريش كانت تفتخر بأنها من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام، ولذلك كانوا يقولون: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرمة، ولاة البيت وقبطان مكة وسكانها.